كيب كنافيرال، فلوريدا (ا ف ب) – لحظة تاريخية تشهدها البشرية، حيث انتقل عملاق ناسا، صاروخ القمر الجديد، إلى منصة الإطلاق يوم السبت، مُهيئًا بذلك لأول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من نصف قرن. هذه المهمة، التي تحمل اسم “أرتيمس 2″، تمثل خطوة حاسمة نحو إعادة البشر إلى القمر، وتحديدًا في موعد مبكر من شهر فبراير القادم.
رحلة الصاروخ الضخم إلى منصة الإطلاق
بدأ الصاروخ، الذي يبلغ ارتفاعه 322 قدمًا (98 مترًا)، رحلته البطيئة، بسرعة ميل واحد في الساعة (1.6 كيلومتر في الساعة)، من مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء مع بزوغ الفجر. استغرقت هذه الرحلة الملحمية، التي تمتد على مسافة 4 أميال (6 كيلومترات)، حتى حلول الظلام، مما أضفى عليها جوًا من الرهبة والإثارة.
حشد من المشاهدين لمشاهدة “صاروخ القمر”
تجمّع الآلاف من العاملين في مركز الفضاء وعائلاتهم في برد الفجر ليشهدوا هذا الحدث الذي طال انتظاره، والذي تأخر لسنوات بسبب تحديات تقنية ولوجستية. كان الحشد المبتهج يضم مدير ناسا الجديد، جاريد إسحاقمان، بالإضافة إلى جميع رواد الفضاء الأربعة الذين تم اختيارهم لقيادة هذه المهمة التاريخية. الجميع كان يترقب هذه اللحظة بفارغ الصبر، مؤمنين بأهمية هذه الخطوة في استكشاف الفضاء.
قال ريد وايزمان، قائد الطاقم، معبرًا عن سعادته: “يا له من يوم عظيم أن أكون هنا. إنه أمر مذهل.” هذه الكلمات تعكس الإحساس العام بالبهجة والفخر الذي غمر الحاضرين.
تفاصيل الصاروخ وقدراته
يبلغ وزن “صاروخ القمر” (نظام الإطلاق الفضائي – SLS) 11 مليون رطل (5 ملايين كيلومتر)، وهو ما يجعله أحد أقوى الصواريخ التي تم بناؤها على الإطلاق. انطلق الصاروخ وكبسولة طاقم أوريون المثبتة فوقه، على متن ناقلة ضخمة تم استخدامها خلال عصر أبولو والمكوك، ولكنها خضعت لترقيات كبيرة لتحمل الوزن الإضافي لـ SLS.
هذا الصاروخ ليس مجرد وسيلة نقل؛ إنه تجسيد للابتكار الهندسي والتقدم التكنولوجي الذي حققته وكالة ناسا على مر السنين.
رحلة تجريبية سابقة وأهمية المهمة الحالية
تجدر الإشارة إلى أن أول صاروخ SLS تم إطلاقه في نوفمبر 2022، وكان يحمل كبسولة أوريون فارغة في مدار حول القمر. ولكن هذه المهمة الحالية تختلف بشكل كبير، حيث تحمل طاقمًا من رواد الفضاء الذين سيتوجهون حول القمر.
قال جون هانيكوت من وكالة ناسا: “يبدو الأمر مختلفًا كثيرًا، حيث تضع طاقمًا على الصاروخ وتأخذ الطاقم حول القمر.” هذا التأكيد يبرز الأهمية الخاصة لهذه المهمة، ليس فقط من الناحية التقنية، ولكن أيضًا من الناحية الإنسانية.
تحديات وتأخيرات وتجهيزات إضافية
واجهت المهمة بعض التأخيرات بسبب تلف الدرع الحراري ومشاكل أخرى في الكبسولة خلال الرحلة التجريبية الأولية. وقد استدعى ذلك إجراء تحليلات واختبارات مكثفة لضمان سلامة رواد الفضاء.
ولن يدور رواد الفضاء حول القمر أو يهبطون عليه في هذه المهمة. هذه القفزة العملاقة، أي الهبوط على سطح القمر، ستحدث في الرحلة الثالثة ضمن برنامج “أرتيمس” بعد سنوات قليلة من الآن.
طاقم “أرتيمس 2”
ينضم إلى ريد وايزمان والطيار فيكتور جلوفر وكريستينا كوخ – رواد فضاء ناسا المخضرمين – في هذه المهمة التي تستغرق 10 أيام رائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن، وهو طيار مقاتل سابق ينتظر أول رحلة له إلى الفضاء.
هذا التنوع في الطاقم يعكس التعاون الدولي في مجال استكشاف الفضاء، ويؤكد على أهمية تبادل الخبرات والمعرفة بين مختلف الدول.
العودة إلى القمر بعد عقود
سيكون طاقم “أرتيمس 2” أول من يطير حول القمر منذ أن أنهى جين سيرنان وهاريسون شميت من أبولو 17 برنامج الهبوط على سطح القمر في عام 1972. وقد سبق لـ 12 رائد فضاء أن تجولوا على سطح القمر، بدءًا من نيل أرمسترونج وباز ألدرين في عام 1969.
ومن المثير للاهتمام أن أربعة فقط من هؤلاء الرواد لا يزالون على قيد الحياة، بما في ذلك باز ألدرين البالغ من العمر 96 عامًا.
قال وايزمان: “إنهم متحمسون للغاية لدرجة أننا نعود إلى القمر. إنهم يريدون فقط أن يروا البشر بعيدًا عن الأرض قدر الإمكان ويكتشفون المجهول.” هذه الكلمات تعبر عن الشوق العميق لاستكشاف الفضاء، والرغبة في توسيع آفاق المعرفة البشرية.
الاستعدادات النهائية والإطلاق المرتقب
تنتظر وكالة ناسا إجراء اختبار تزويد الوقود لـ “صاروخ القمر” على المنصة في أوائل فبراير قبل تأكيد موعد الإطلاق.
وقال إسحاقمان للصحفيين: “أعتقد أنه ليس لدينا أي نية للإعلان عن تاريخ الإطلاق الفعلي حتى الانتهاء من عرض التزود بالوقود.” هذا الحذر يعكس الحرص الشديد على ضمان سلامة المهمة ونجاحها.
دعم مهمة استكشاف الفضاء
يتلقى قسم الصحة والعلوم في وكالة أسوشيتد برس الدعم من قسم تعليم العلوم التابع لمعهد هوارد هيوز الطبي ومؤسسة روبرت وود جونسون. ومع ذلك، تظل وكالة أسوشيتد برس المسؤولة الوحيدة عن جميع المحتويات.
مستقبل استكشاف الفضاء
تعتبر مهمة “أرتيمس 2” خطوة حاسمة نحو تحقيق هدف أكبر، وهو إنشاء وجود بشري مستدام على القمر، واستخدامه كمنصة انطلاق لاستكشاف أعماق الفضاء. هذا الطموح يتطلب تعاونًا دوليًا مستمرًا، واستثمارات كبيرة في البحث والتطوير، وإيمانًا راسخًا بقدرة البشر على تحقيق المستحيل. صاروخ القمر يمثل بداية حقبة جديدة في استكشاف الفضاء، وحلمًا يتحقق أمام أعيننا. برنامج أرتيمس يفتح آفاقًا واسعة للعلماء والمهندسين ورواد الفضاء، ويُلهم الأجيال القادمة لمواصلة رحلة الاكتشاف والمعرفة. استكشاف الفضاء ليس مجرد مسعى علمي، بل هو استثمار في مستقبل البشرية.
