يشهد العالم تطورات متسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، ومع تزايد الاهتمام بهذا المجال، تبرز شركات ناشئة تسعى للمنافسة بقوة، ومن بينها شركة DeepSeek الصينية. هذا التقرير يلقي الضوء على تأثير DeepSeek المتزايد في الدول النامية، وكيف يمكن لهذا الصعود أن يقلل الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والنامية، مع التركيز على التحديات والفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا.
صعود DeepSeek: قوة جديدة في عالم الذكاء الاصطناعي
حققت شركة DeepSeek، الناشئة في مجال التكنولوجيا، تقدمًا ملحوظًا في العديد من الدول النامية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. تأسست الشركة في عام 2023، وسرعان ما لفتت الأنظار بفضل نماذجها المجانية و “مفتوحة المصدر”، حيث تتيح الوصول إلى المكونات الأساسية للنموذج وتعديلها لأي مستخدم، وهو ما يختلف عن النماذج المغلقة التي تقدمها الشركات الكبرى مثل OpenAI.
هذا النموذج المفتوح ساهم بشكل كبير في انتشار DeepSeek في مناطق كانت تعاني من محدودية الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصةً بسبب التكلفة العالية. بالإضافة إلى ذلك، قدمت DeepSeek نموذج chatbot مجاني الاستخدام عبر الإنترنت والهاتف المحمول، مما سهّل على المستخدمين في مختلف أنحاء العالم التفاعل مع هذه التكنولوجيا.
اتساع الفجوة الرقمية: نظرة عالمية على تبني الذكاء الاصطناعي
أظهر تقرير حديث صادر عن مايكروسوفت أن التبني العالمي لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية وصل إلى 16.3% من سكان العالم في الأشهر الثلاثة التي تسبق ديسمبر، مقارنة بـ 15.1% في الفترة السابقة. ومع ذلك، يثير القلق استمرار اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية في هذا المجال.
فقد أشار التقرير إلى أن نمو اعتماد الذكاء الاصطناعي في الدول المتقدمة يسير بوتيرة أسرع بكثير من الدول النامية، حيث يقترب معدل النمو من الضعف. هذا التفاوت يهدد بتعميق الفجوة الرقمية، ويجعل الدول النامية أكثر عرضة للتخلف عن الركب في هذا المجال الحيوي. وتعتبر البنية التحتية الرقمية والاستثمار المستمر في الذكاء الاصطناعي من العوامل الأساسية التي تساهم في تقدم الدول في هذا المجال. الدول التي استثمرت في هذا المجال مثل الإمارات العربية المتحدة وسنغافورة وفرنسا وإسبانيا، شهدت نموًا ملحوظًا في تبني الذكاء الاصطناعي.
DeepSeek والأسواق الناشئة: نموذج للوصول والتكلفة المعقولة
أصبح DeepSeek خيارًا جذابًا بشكل خاص في الأسواق التي كانت تعاني من نقص الخدمات التي تقدمها منصات الذكاء الاصطناعي الغربية. فالقدرة على تحمل التكاليف والانفتاح الذي تتميز به DeepSeek أزال الكثير من الحواجز أمام المستخدمين، وخاصة في المناطق التي تعاني من ضائقة مالية. على سبيل المثال، قدرت حصة DeepSeek في السوق الصينية بـ 89%، بينما وصلت إلى 56% في بيلاروسيا و 49% في كوبا.
هذا النمو يعكس قدرة DeepSeek على التكيف مع احتياجات الأسواق الناشئة، وتقديم حلول مبتكرة ومتاحة للجميع. يُظهر صعود DeepSeek أن الوصول والتوافر يلعبان دورًا حاسمًا في تشكيل تبني الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، بالإضافة إلى جودة النموذج نفسه. وتشابه هذه النتائج مع نتائج استطلاع أجرى مركز بيو للأبحاث، حيث برزت كوريا الجنوبية كدولة منفتحة على تبني الذكاء الاصطناعي.
المخاطر والتحديات: المخاوف الأمنية والتأثير الجيوسياسي
على الرغم من الفوائد الواضحة لـ DeepSeek، إلا أن هناك بعض المخاوف والتحديات المرتبطة بتوسعها. فقد سعت بعض الدول المتقدمة مثل أستراليا وألمانيا والولايات المتحدة إلى تقييد استخدام DeepSeek بسبب المخاطر الأمنية المحتملة، حيث يخشى البعض من أن هذه التكنولوجيا قد تستخدم لأغراض ضارة.
كما أثارت تقارير مايكروسوفت مخاوف بشأن الاختلافات في استجابات DeepSeek للأسئلة السياسية، حيث يبدو أنها تتبع نفس نوع الوصول إلى الإنترنت المعتمد في الصين. هذا يشير إلى أن هناك احتمالًا لتقديم DeepSeek ردودًا مختلفة على الأسئلة الحساسة مقارنة بالنماذج الغربية، وهو ما يمكن أن يكون له تأثير على الرأي العام العالمي. وتعتبر هذه القضية جزءًا من النقاش الأوسع حول الأمان في الذكاء الاصطناعي وضرورة ضمان عدم استغلال هذه التكنولوجيا لأغراض سياسية أو دعائية.
الخلاصة: التوازن بين الابتكار والمسؤولية
يمثل صعود DeepSeek نقطة تحول في عالم الذكاء الاصطناعي، حيث يفتح الباب أمام فرص جديدة لتقليل الفجوة الرقمية وتمكين الدول النامية من الاستفادة من هذه التكنولوجيا. ومع ذلك، يجب التعامل مع هذا التوسع بحذر ومسؤولية، مع مراعاة المخاطر الأمنية والجيوسياسية المحتملة.
إن تحقيق التوازن بين الابتكار والمسؤولية هو المفتاح لضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعي الإنسانية جمعاء، وأن لا يتم استخدامه لتعزيز أجندات ضيقة أو لتقويض الأمن والاستقرار العالميين. من الضروري استمرار البحث والتحليل في هذا المجال، وتبادل المعلومات والخبرات بين الدول والشركات، من أجل تطوير حلول مبتكرة وفعالة تضمن الاستفادة القصوى من إمكانات الذكاء الاصطناعي.
