في خضم الاحتجاجات المتصاعدة في إيران، برز دور تكنولوجيا الاتصالات الفضائية، وتحديداً خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية ستارلينك (Starlink)، كأداة حيوية للمتظاهرين في مواجهة الرقابة الحكومية الصارمة. حيث أصبحت القدرة على الوصول إلى العالم الخارجي ونشر المعلومات أمراً بالغ الأهمية، خاصة بعد قيام السلطات الإيرانية بقطع الوصول إلى الإنترنت بشكل شبه كامل. هذا التحول الرقمي في المشهد الاحتجاجي الإيراني يثير تساؤلات حول مستقبل حرية الإنترنت، وقوة التكنولوجيا في مواجهة الأنظمة القمعية، ودور الشركات الخاصة في دعم الحركات الاجتماعية.

ستارلينك في إيران: نافذة على العالم وسط الحظر

في الثامن من يناير، شهدت إيران إغلاقاً شاملاً للاتصالات والإنترنت، في محاولة يائسة من الحكومة لقمع الاحتجاجات التي اندلعت بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية وانهيار العملة. لكن هذه الجهود لم تنجح تماماً، بفضل ستارلينك التي تمكنت من توفير اتصال بديل للمتظاهرين. لم تعلن شركة SpaceX التابعة لإيلون ماسك بشكل رسمي عن هذا الدعم، لكن نشطاء إيرانيين أكدوا أن الخدمة أصبحت متاحة مجاناً لأي شخص يمتلك أجهزة الاستقبال اللازمة، وأن الشركة قامت بتحديث البرامج الثابتة للأجهزة لتجاوز محاولات التشويش الحكومية.

هذه الخطوة جاءت بعد دعوة من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي صرح بأنه سيتواصل مع ماسك لطلب مساعدة ستارلينك للمتظاهرين. وعلى الرغم من عدم وضوح ما إذا كانت هذه المكالمة هي المحفز الرئيسي، إلا أنها سلطت الضوء على الأهمية الاستراتيجية لهذه التكنولوجيا في دعم الحركات الاحتجاجية.

دور المعلومات في إذكاء الاحتجاجات

أكد مهدي يحياني نجاد، الناشط الإيراني الذي ساهم في تهريب أجهزة ستارلينك إلى البلاد، أن الخدمة كانت “حاسمة” في نقل صور الاحتجاجات الدامية إلى العالم. وأشار إلى مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع يظهر جثثاً في مركز الطب الشرعي بالقرب من طهران، قائلاً إن هذا الفيديو وحده “غير بشكل كبير فهم الجميع لما يحدث”.

وبالفعل، فإن الوصول إلى المعلومات الحقيقية، بعيداً عن الرقابة الحكومية، يعتبر عاملاً رئيسياً في إذكاء الاحتجاجات وتعبئة الرأي العام. فمنذ اندلاع المظاهرات في 28 ديسمبر، ارتفع عدد القتلى إلى أكثر من 2500 شخص، وفقاً لتقارير منظمات حقوق الإنسان. وساهمت ستارلينك في توثيق هذه الأحداث ونشرها، مما زاد من الضغط على الحكومة الإيرانية.

لعبة القط والفأر: تحديات استخدام ستارلينك في إيران

على الرغم من أهمية ستارلينك، إلا أن استخدامها في إيران يواجه تحديات كبيرة. فالخدمة محظورة بموجب لوائح الاتصالات، وقد تصل عقوبة استخدامها إلى الإعدام بتهمة التجسس أو مساعدة دول معادية. بالإضافة إلى ذلك، تسعى السلطات الإيرانية بنشاط إلى تحديد وتعطيل أجهزة ستارلينك، من خلال البحث عن الأطباق الهوائية، ومراقبة حركة المرور على الإنترنت، والاعتماد على المخبرين.

تهريب الأجهزة وتحديث البرامج الثابتة

بدأ تهريب أجهزة ستارلينك إلى إيران في عام 2022، بعد أن نجح إيلون ماسك في الحصول على إعفاء من العقوبات الأمريكية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 ألف جهاز تم تهريبها حتى الآن، حيث يلجأ المستخدمون إلى إخفائها بشكل مبتكر، مثل تمويهها كألواح شمسية.

ولمواجهة جهود التشويش الحكومية، قامت SpaceX بتحديث البرامج الثابتة للأجهزة بشكل دوري، مما ساعد المستخدمين على تجاوز الحظر. ومع ذلك، فإن هذه اللعبة المستمرة بين الحكومة والمستخدمين تتطلب جهوداً كبيرة وتزيد من المخاطر التي يتعرض لها النشطاء.

مستقبل حرية الإنترنت في إيران

تعتبر قضية ستارلينك في إيران جزءاً من صراع أوسع حول حرية الإنترنت وحقوق الإنسان. ففي حين أن التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة قوية لتمكين الأفراد ومواجهة القمع، إلا أنها يمكن أن تستخدم أيضاً للرقابة والتجسس.

تعتبر خدمة الإنترنت الفضائي (الإنترنت عبر الأقمار الصناعية) بديلاً مهماً في ظل القيود الحكومية، لكنها ليست حلاً سحرياً. فكما أشارت جوليا فو من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فإن الاعتماد على شركة واحدة يمكن أن يخلق “نقطة فشل واحدة”. بالإضافة إلى ذلك، فإن الدول التي تسعى إلى فرض الرقابة قد تبدأ في تطوير تقنيات لمواجهة هذه التحديات، مثل تطوير القدرة على تتبع وتدمير الأقمار الصناعية.

الخلاصة

لقد أثبتت ستارلينك أنها أداة حيوية للمتظاهرين الإيرانيين في مواجهة الرقابة الحكومية، حيث ساهمت في نشر المعلومات وتعبئة الرأي العام. ومع ذلك، فإن استخدامها يواجه تحديات كبيرة، ويتطلب جهوداً مستمرة لتجاوز الحظر وضمان سلامة المستخدمين. إن مستقبل حرية الإنترنت في إيران يعتمد على قدرة النشطاء على الاستمرار في الوصول إلى التكنولوجيا، وعلى استعداد الشركات الخاصة والحكومات الأجنبية لدعمهم في هذا المسعى. يجب على المجتمع الدولي الاستمرار في مراقبة الوضع في إيران، وتقديم الدعم اللازم للمتظاهرين الذين يطالبون بحقوقهم الأساسية.

شاركها.