بعد سنوات من النقاش، يبدو عام 2026 هو العام الذي ستتخذ فيه الحكومات حول العالم إجراءات بشأن استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي. وتشهد عدة دول تحركات جادة نحو تقييد وصول الشباب إلى هذه المنصات، مدفوعة بمخاوف متزايدة بشأن تأثيراتها على الصحة النفسية والاجتماعية. هذا التوجه العالمي يثير تساؤلات حول مستقبل علاقة الأجيال الشابة بالتكنولوجيا وكيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية الأطفال وحريتهم في الوصول إلى المعلومات.
أستراليا وفرنسا والدنمارك والنرويج تتقدم أو تخطط لحظر وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن معينة. بينما تتجه الولايات المتحدة نحو تبني إجراءات مماثلة على مستوى الولايات، وهو ما قد يواجه تحديات قانونية وسياسية أكبر. وتأتي هذه الإجراءات في ظل قلق متزايد من الآثار السلبية لمنصات مثل TikTok و YouTube و Snapchat على صحة الشباب النفسية.
حظر وسائل التواصل الاجتماعي: من حديث إلى واقع
لطالما ناقش قادة العالم تقييد وصول الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي، والآن بدأ هذا النقاش يتحول إلى أفعال ملموسة. أصبحت أستراليا أول دولة كبرى تفرض حظرًا على وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عامًا، ودخل القانون حيز التنفيذ في ديسمبر الماضي.
تطمح فرنسا إلى اتباع مثال أستراليا، حيث من المقرر أن يتم تقييد الوصول للأطفال دون سن 15 عامًا اعتبارًا من الخريف المقبل، بالتزامن مع بداية العام الدراسي الجديد. تأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على دعمه لهذا الحظر في خطابه بمناسبة رأس السنة الجديدة، يعكس جدية الحكومة في التعامل مع هذه القضية.
إضافةً إلى ذلك، أعلنت الحكومة الماليزية عن نيتها تطبيق حظر مماثل هذا العام. كما تخطط الدنمارك لحظر مماثل للأطفال دون سن 15 عامًا، وذلك بعد تحذيرات من رئيسة الوزراء ميت فريدريكسن بشأن ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين الأطفال والشباب. وتدرس النرويج اتخاذ تدابير مماثلة، على الرغم من اعتراف رئيسة الوزراء بالتحديات التي قد تواجه تطبيق هذا الحظر.
وفي الهند، اقترح قضاة المحكمة العليا في ديسمبر الماضي أن تفكر البلاد في تشريع يقتدي بالنهج الأسترالي. هذه الاقتراحات تعكس تزايد الوعي بأهمية حماية الأطفال من المخاطر المحتملة لـوسائل التواصل الاجتماعي.
رد فعل شركات التواصل الاجتماعي
انتقدت شركات التواصل الاجتماعي هذه الحظر، مؤكدةً على الإجراءات الوقائية التي تتخذها لحماية المستخدمين الشباب، ومشككةً في جدوى هذه الإجراءات، ومحذرةً من العواقب غير المقصودة. فقد دعت كل من Google و Meta إلى تأجيل تطبيق القانون الأسترالي، مطالبةً بالاعتماد على نظام للتحقق من العمر.
أشارت Meta في ردها على المناقشات الدائرة في الاتحاد الأوروبي حول هذا الموضوع، إلى أنها استثمرت عقودًا في تطوير أكثر من 50 أداة وسياسة تهدف إلى حماية الشباب عبر الإنترنت. في المقابل، انتقد إيلون ماسك، مالك منصة X، التشريع الأسترالي، واصفًا إياه بأنه “طريقة خلفية للسيطرة على الوصول إلى الإنترنت لجميع الأستراليين”. كما أعربت TikTok عن “قلقها البالغ” بشأن هذا التشريع.
تطورات متضاربة في الولايات المتحدة
بينما شهدت الولايات المتحدة، موطن أكبر شركات التواصل الاجتماعي في العالم، جهودًا وطنية لتقييد وصول الشباب إلى هذه المنصات، إلا أنها لم تثمر عن نتائج ملموسة حتى الآن. لم يتم تمرير أي من المقترحات التي طرحت في الكونجرس حتى الآن.
بدلاً من ذلك، تحول التركيز إلى مستوى الولايات، حيث يتم النظر في مجموعة من القواعد المتعلقة بالتحقق من العمر، وموافقة الوالدين، وتحديد وقت الاستخدام، وغالبًا ما تواجه هذه القواعد تحديات قانونية. من المقرر أن تبدأ ولاية فرجينيا في تطبيق حد أقصى للاستخدام اليومي قدره ساعة واحدة لـوسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عامًا، ما لم يوافق الوالدان على خلاف ذلك، لكن هذا القانون يواجه بالفعل طعونًا قانونية.
في المقابل، أقرت ولاية نبراسكا تشريعًا يتطلب موافقة الوالدين لفتح حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي للقاصرين. كما تقدمت ولايات أخرى، مثل يوتا وفلوريدا، بتشريعات مماثلة تم تأجيلها أو حظرها مؤقتًا بأوامر قضائية. بشكل منفصل، تستهدف بعض الولايات الهواتف الذكية نفسها، من خلال فرض حظر “من الجرس إلى الجرس” على استخدامها في المدارس الحكومية.
في أكتوبر الماضي، رفعت أجهزة المدعي العام في 14 ولاية دعوى قضائية ضد TikTok، متهمةً التطبيق بالإدمان والاستفادة من تدهور الصحة النفسية للأطفال. بينما دافعت TikTok عن نفسها، مؤكدةً على الإجراءات الوقائية التي اتخذتها لحماية المستخدمين الشباب.
على الرغم من الزخم المتزايد للجهود الرامية إلى حماية الأطفال من وسائل التواصل الاجتماعي، فقد حذر بعض المراقبين في الصناعة من أن هذه الإجراءات ليست حلاً سحريًا، وقد تؤدي إلى آثار جانبية غير متوقعة.
أكدت منظمة اليونيسف في بيان لها في ديسمبر الماضي، على أهمية التزام الدول بحماية الأطفال عبر الإنترنت، مشيرةً إلى أن حظر وسائل التواصل الاجتماعي قد يحمل مخاطر خاصة به، وقد يكون له نتائج عكسية. وأوضحت اليونيسف أن بعض الأطفال المحرومين يعتمدون على هذه المنصات، وقد يلجأ آخرون إلى البحث عن حلول بديلة في أماكن أكثر خطورة على الإنترنت.
من المتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة المزيد من التشريعات والقرارات القضائية المتعلقة بهذا الموضوع. يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد توازن بين حماية الأطفال وبين ضمان حقهم في الوصول إلى المعلومات والتعبير عن آرائهم. ستكون متابعة التطورات في هذا المجال أمرًا بالغ الأهمية لفهم الآثار المترتبة على مستقبل علاقة الشباب بالتكنولوجيا.
