في خطوة تصعيدية مفاجئة، قطعت السلطات الإيرانية الاتصال بالعالم الخارجي عن سكان البلاد بعد اندلاع احتجاجات واسعة النطاق، مما أثار قلقاً دولياً وذعرًا في صفوف الجالية الإيرانية في الخارج. هذا الإغلاق الشامل للإنترنت وخدمات الاتصال، الذي بدأ مساء الخميس، يهدف إلى منع تدفق المعلومات المتعلقة بالاحتجاجات، وقمع المعارضة، وربما إخفاء حجم العنف المرتكب ضد المتظاهرين. هذا الوضع يثير تساؤلات حول مستقبل الاحتجاجات في إيران ودور التكنولوجيا في الحركات الاجتماعية، ويظهر بشكل واضح محاولات النظام الإيراني للسيطرة على الرواية.
تفاصيل الإغلاق وتداعياته على التواصل
أعلنت السلطات الإيرانية عن قطع الاتصالات بعد موجة من المظاهرات التي بدأت بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وسرعان ما تحولت إلى تعبير عن غضب شعبي أوسع نطاقاً ضد القيود الاجتماعية والسياسية. هذا الإجراء يعني أن 85 مليون إيراني أصبحوا معزولين عن العالم، وأن التواصل مع الأصدقاء والعائلة في الخارج أصبح أمراً صعباً للغاية، إن لم يكن مستحيلاً. يشمل الإغلاق شبكات الإنترنت وخطوط الهاتف التي تربط الإيرانيين بالشّتات الكبير في الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى.
حتى مع وجود العقوبات الدولية المشددة، كان الإيرانيون يعتمدون على الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) للوصول إلى تطبيقات الهواتف المحمولة والمواقع الإلكترونية المحظورة، وتجاوز الرقابة الحكومية. قطع الاتصال هذا يهدف إلى تعطيل هذه الآليات، ومنع نشر صور ومقاطع فيديو توثق أحداث الاحتجاجات.
يقول عزام جانجرافي، خبير الأمن السيبراني في تورونتو، والذي يعارض الحكومة الإيرانية: “لا يمكنك فهم مشاعرنا. إخوتي وأبناء عمومتي، سوف يخرجون إلى الشارع. لا يمكنك أن تتخيل القلق الذي يشعر به الشتات الإيراني”. وأضاف: “لم أتمكن من العمل بالأمس. كان لدي اجتماعات لكنني أجلتها لأنني لم أستطع التركيز. كنت أفكر في عائلتي وأصدقائي.”
Starlink كطوق نجاة.. وهل سينجح؟
في ظل هذا الإغلاق، برزت خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية Starlink، التابعة لشركة SpaceX، كأحد البدائل المتاحة للإيرانيين، على الرغم من أنها غير قانونية في البلاد.
فبعد احتجاجات 2022 التي أعقبت وفاة مهسا أميني، لعبت Starlink دوراً هاماً في توفير الاتصال بالإنترنت للمتظاهرين، مما ساهم في نشر معلومات حول ما يحدث على الأرض. ومع ذلك، فإن استخدام Starlink يواجه تحديات متزايدة، حيث تشير التقارير إلى أن الحكومة الإيرانية بدأت في التشويش على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) المستخدمة من قبل أجهزة الاستقبال الخاصة بـ Starlink.
يؤكد أمير رشيدي، مدير الحقوق الرقمية والأمن في مجموعة ميان والخبير في شؤون إيران، على أن هناك “خسارة بنسبة 30٪ تقريبًا في الحزم التي ترسلها أجهزة ستارلينك – وهي في الأساس وحدات من البيانات التي يتم نقلها عبر الإنترنت” منذ يوم الخميس، ووصلت في بعض المناطق إلى 80%. ويعتقد رشيدي أن الحكومة الإيرانية قد تستخدم تقنيات متقدمة للتشويش، على غرار ما فعلته روسيا في أوكرانيا، أو حتى أجهزة تشويش متنقلة.
تاريخ الإغلاق.. هل هذه المرة مختلفة؟
ليست هذه المرة الأولى التي تقوم فيها إيران بإغلاق الإنترنت عن العالم الخارجي. ففي عام 2019، تم قطع الاتصال بعد اندلاع احتجاجات غاضبة بسبب ارتفاع أسعار البنزين، مما أدى إلى مقتل أكثر من 300 شخص.
كما شهدت البلاد إغلاقاً مماثلاً في عام 2022، خلال الاحتجاجات التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني، والتي راح ضحيتها أكثر من 500 شخص. لكن هذه المرة، يبدو أن الإغلاق أكثر شمولاً وتصعيداً، في ظل الادعاءات بأن السلطات الإيرانية تتعامل بقمع عنيف مع المتظاهرين. و قد حذر المدعي العام الإيراني يوم السبت وأن أي شخص يشارك في الاحتجاجات سيعتبر “عدواً لله”، وهي تهمة عقوبتها الإعدام.
مع كل عملية إغلاق، تزداد أهمية الوصول إلى المعلومات المستقلة، وتتضح المخاطر التي يتعرض لها الإيرانيون الذين يسعون إلى التواصل مع العالم.
المخاطر التي تواجه مستخدمي Starlink والدعم الدولي المطلوب
استخدام Starlink في إيران يعتبر مخالفاً للقانون ويعرض المستخدمين لخطر الاعتقال والإعدام، كما يشير جانجرافي: “من الصعب حقًا استخدامه لأنهم إذا اعتقلوا شخصًا، فيمكنهم إعدامه والقول إن هذا الشخص يعمل لصالح إسرائيل أو الولايات المتحدة”.
ومع ذلك، يشدد مهدي يحياني نجاد، الناشط في مجال حرية الإنترنت، على أن “هذا النوع من الاحتجاج السلمي لا يمكن أن يستمر عندما يكون العنف (من جانب قوات الأمن) شديداً للغاية”. ويضيف: “إذا كانت هناك أي مساعدة، فيجب أن تأتي قريبًا”.
الحاجة ملحة للدعم الدولي، من خلال الضغط على إيران لوقف إغلاق الإنترنت، وحماية حقوق الإنسان، وضمان وصول الإيرانيين إلى المعلومات بحرية. يجب أن يؤكد المجتمع الدولي على أن حرية الإنترنت هي حق أساسي، وأن قمع هذا الحق يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. كما أن البحث عن طرق لتوفير اتصال إنترنت آمن وموثوق به للإيرانيين يمثل ضرورة إنسانية وقانونية. هذا الأمر يتعلق بحماية أرواح الناس وتوفير منصة لهم للتعبير عن آرائهم ومشاركة تجاربهم مع العالم.
