يشهد قطاع التكنولوجيا في وادي السيليكون تحولاً ملحوظاً في ثقافة العمل، حيث يقلل الرواد الشباب من الوقت المخصص للحياة الاجتماعية لصالح التركيز المكثف على تطوير شركاتهم الناشئة. هذا التوجه، الذي يصفه البعض بـ “وضع الراهب” (monk mode)، يؤثر بشكل كبير على المشهد الاجتماعي والعلاقات الشخصية في هذا المجتمع التنافسي. يواجه مؤسسو الشركات الناشئة صعوبات متزايدة في إيجاد التوازن بين طموحاتهم المهنية وحياتهم العاطفية، مما أدى إلى تراجع في النشاطات الاجتماعية والرومانسية.
يقول ماهير لاول، البالغ من العمر 18 عامًا والذي أخذ إجازة من جامعة نيويورك للعمل بدوام كامل في شركته الناشئة في مجال تكنولوجيا الموارد البشرية Velric: “هناك شيئان أهتم بهما أكثر من أي شيء آخر: صالة الألعاب الرياضية وعملي”. ويضيف أن زملاءه من المؤسسين يشاركونه نفس الأولوية، وأن أولئك الذين لديهم علاقات عاطفية قد بدأوها قبل تأسيس شركاتهم، بينما يجد الباقون أنفسهم “مُقفلين” في العمل، مما يستبعدهم من دائرة المواعدة.
تأثير ثقافة العمل المكثفة على الحياة الشخصية في وادي السيليكون
لطالما ارتبط وادي السيليكون بمزج العمل والترفيه كعنصر أساسي في نموه. ومع ذلك، يشير الوضع الحالي إلى تحول نحو العمل الجاد والتفاني المطلق، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة والسباق المحموم في مجال الذكاء الاصطناعي. تشير البيانات إلى زيادة ملحوظة في الإنفاق على البطاقات الائتمانية للشركات في أيام السبت في منطقة خليج سان فرانسيسكو، بالإضافة إلى ارتفاع في حركة المرور في مباني المكاتب بنسبة 21.6٪ في يوليو الماضي، وهو أعلى ارتفاع بين المدن الكبرى.
يتضح هذا التوجه من خلال حوارات مع أكثر من 25 متخصصًا شابًا في مجال التكنولوجيا، حيث يصفون ساعات العمل الطويلة، وجداول 996 (من الساعة 9 صباحًا إلى 9 مساءً، ستة أيام في الأسبوع)، وفخرهم بتبني “وضع الراهب” لتحقيق النمو المنشود لشركاتهم. بالنسبة للكثيرين، أصبح “التركيز على البناء” مرادفًا لعدم وجود وقت للعلاقات العاطفية، حيث يفضلون البقاء ملتزمين بأهدافهم المهنية.
يقول دايفيك غويل، مؤسس منصة الرواتب Shor: “العلاقة الجيدة تشبه الشركة الناشئة الجيدة، فهي تتطلب الكثير من الوقت والرعاية في البداية إذا أردت أن تنجح”. ويعترف بأنه لا يملك الوقت الكافي للاستثمار في علاقة عاطفية في الوقت الحالي، وأن العديد من أصدقائه المؤسسين يشاركونه نفس الشعور.
تغيير نظرة المؤسسين إلى المواعدة
ترى آني لياو، مؤسسة شركة AI learning Build Club، أن “تكلفة الفرصة البديلة عالية جدًا. كل ليلة تقضيها خارج المنزل هي وقت كان يمكن استغلاله في بناء شركتك الناشئة”. وتضيف أن معظم المؤسسين ينتظرون حتى تستقر شركاتهم، مثل الحصول على تمويل من السلسلة B، قبل التفكير في العلاقات العاطفية.
يشير البعض إلى أن هذا التوجه يعكس أيضًا تغييرًا في طريقة تعامل المؤسسين مع المواعدة، حيث يميلون إلى تقييم الشركاء المحتملين بناءً على معايير منطقية وقياسية، كما لو كانوا يقيمون أداء الموظفين. وتصف ألي هوفمان، مؤسسة فعاليات المواعدة The Feels، كيف يسأل عملاؤها في وادي السيليكون: “هل سأجد هنا وحيد القرن الخاص بي؟” (unicorn)، في إشارة إلى الشريك المثالي.
أمي أندرسون، الرئيس التنفيذي لشركة Linx Dating، تقول إن المؤسسين الذين أمضوا سنوات في التركيز على “التحسين” و “عائد الاستثمار” (ROI) يبحثون الآن عن شركاء مثاليين بنفس القدر. وتشير إلى أنهم يحاولون “اختراق” الحب، بدلاً من التفكير بشكل ذكي في الأمر.
ويرى مستشار الشركات الناشئة ديلان أوريوندو أن الخوف يلعب دورًا أيضًا، حيث يخشى المؤسسون من فقدان وقت ثمين في البناء، أو من أن يكونوا موضع شك من قبل الشركاء المحتملين بسبب عدم استقرارهم المالي.
تحديات إضافية في المشهد الاجتماعي
بالإضافة إلى ضغوط العمل، يواجه المؤسسون تحديات أخرى في المشهد الاجتماعي في سان فرانسيسكو، مثل ارتفاع تكلفة المعيشة والفجوة الكبيرة في الثروة. ويشكو البعض من “النسبة” غير المتكافئة بين الرجال والنساء، مما يجعل العثور على شريك أمرًا صعبًا.
يعتقد ويسلي تيان، الشريك المؤسس لمنصة الصور التي تعمل بالذكاء الاصطناعي Aragon، أن المشكلة تكمن في أن معظم النساء في سان فرانسيسكو مهتمات بالتكنولوجيا، مما يحد من الخيارات المتاحة للرجال. ويقول إن بعض أصدقائه يلجأون إلى “استيراد” شركاء من مدن أخرى، أو حتى السفر إلى مدن مثل نيويورك للعثور على شريك.
فيليب كوزيرا، مؤسس Wordware، يقترح حلاً جذريًا: نقل 10 آلاف امرأة من ميامي إلى سان فرانسيسكو، وتعليمهن أن “امتلاك قارب ليس أهم شيء في الحياة”.
في المقابل، تؤكد جويس تشانغ، مدربة المواعدة وسابقة في Stripe، على أهمية العمل على الذات وتطوير الاستعداد العاطفي. وتقول إنها تسأل عملائها الذكور الذين يشتكون من “النسبة”: “ما الذي يمكنك التحكم فيه وتغييره؟”.
ومع ذلك، يجد بعض المؤسسين الذين لديهم علاقات عاطفية أن هذه العلاقات مفيدة لشركاتهم، حيث توفر لهم الدعم العاطفي والاختبار الأولي للمنتجات. يقول يانغ فان يون، الشريك المؤسس لشركة Composite: “أن تكون في علاقة عاطفية مفيد حقًا في بناء الشركة”.
في الختام، يبدو أن ثقافة العمل المكثفة في وادي السيليكون تؤثر بشكل كبير على الحياة الشخصية للمؤسسين الشباب، مما يؤدي إلى تراجع في النشاطات الاجتماعية والرومانسية. من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل القريب، ما لم يتم إيجاد حلول لتحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية. سيكون من المهم مراقبة التطورات في هذا المجال، والبحث عن استراتيجيات جديدة لمساعدة المؤسسين على بناء شركات ناجحة وحياة سعيدة في الوقت نفسه.
