فنلندا تقود الطريق في مكافحة الأخبار الكاذبة: تعليم محو الأمية الإعلامية يبدأ في مرحلة ما قبل المدرسة

في عالم يغرق فيه المستخدمون في بحر من المعلومات، أصبح التمييز بين الحقيقة والخيال تحديًا متزايدًا. فنلندا، الدولة الاسكندنافية المعروفة بنظامها التعليمي المتقدم، تتصدر جهود مكافحة الأخبار الكاذبة والتضليل، ليس فقط من خلال مناهجها المدرسية، بل من خلال غرس مهارات محو الأمية الإعلامية منذ سن مبكرة جدًا. هذه المبادرة، التي بدأت منذ عقود، تهدف إلى بناء جيل فنلندي مقاوم للدعاية المضللة، وخاصة في ظل التهديدات الجيوسياسية المتصاعدة.

جذور محو الأمية الإعلامية في النظام التعليمي الفنلندي

لم تكن مكافحة الأخبار الكاذبة رد فعل على الأحداث الأخيرة. فمنذ التسعينيات، أدركت فنلندا أهمية تعليم مواطنيها كيفية تحليل مصادر المعلومات وتقييمها. هذا الإدراك العميق أدى إلى دمج محو الأمية الإعلامية كجزء أساسي من المناهج الوطنية، حتى بالنسبة للأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 3 سنوات. لا يقتصر الأمر على مجرد إخبارهم بأن بعض الأخبار “خاطئة”، بل يتعلق بتزويدهم بالأدوات الفكرية اللازمة لتقييم المعلومات بأنفسهم.

وتعتبر هذه الخطوة حاسمة، خاصةً في ظل قرب فنلندا من روسيا. فالانتخابات الفنلندية عام 2023 وانضمامها إلى حلف شمال الأطلسي أثارا رد فعلًا غاضبًا من موسكو، و بالتزامن مع ذلك كثفت روسيا حملاتها التضليلية في جميع أنحاء أوروبا، بعد غزوها لأوكرانيا. لذلك، فإن بناء القدرة على التفكير النقدي لدى المواطنين يمثل خط دفاع رئيسي ضد محاولات التدخل والتأثير.

توسيع نطاق محو الأمية الإعلامية ليشمل الذكاء الاصطناعي

مع التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح التحدي أكثر تعقيدًا. لم يعد التضليل يقتصر على الأخبار المزيفة المكتوبة، بل امتد إلى الصور ومقاطع الفيديو المُصنعة بواسطة الذكاء الاصطناعي، والتي يصعب اكتشافها بشكل متزايد.

وهذا ما دفع السلطات التعليمية الفنلندية إلى تكليف المعلمين بإضافة محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي إلى مناهجهم الدراسية. كما قالت كيا هاكالا، المتخصصة التربوية في هلسنكي: “نعتقد أن امتلاك مهارات جيدة في مجال الثقافة الإعلامية يعد مهارة مدنية كبيرة جدًا. إنه أمر مهم جدًا لسلامة الأمة ولسلامة ديمقراطيتنا.” في مدرسة تابانيلا الابتدائية، على سبيل المثال، يتعلم الطلاب كيفية تحديد ما إذا كانت صورة أو مقطع فيديو حقيقيًا أم تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي. هذا يؤكد على أهمية التكيف المستمر مع التهديدات الجديدة.

تدريب المعلمين وتطوير المناهج

لا يقتصر الأمر على إضافة وحدات جديدة إلى المناهج الدراسية. بل يشمل أيضًا تدريب المعلمين على أحدث التقنيات والأدوات المستخدمة في التضليل، بالإضافة إلى أفضل الممارسات لتعليم الطلاب كيفية تحليل المعلومات بشكل فعال. كما يتم تطوير مواد تعليمية جديدة تراعي التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الأدوات التي تساعد الطلاب على التحقق من صحة الصور ومقاطع الفيديو.

دور وسائل الإعلام والمجتمع في تعزيز محو الأمية الإعلامية

لا يتحمل النظام التعليمي وحده مسؤولية مكافحة التضليل. تلعب وسائل الإعلام الفنلندية دورًا حيويًا في هذا المجال، من خلال تعزيز الشفافية والمصداقية في تقاريرها. تنظم وسائل الإعلام الفنلندية سنويًا “أسبوع الصحف” والذي يهدف إلى تشجيع الشباب على استهلاك الأخبار الموثوقة من مصادر مختلفة.

بالإضافة إلى ذلك، تعاونت صحيفة هلسنجين سانومات مع وزارة التعليم لإنتاج “كتاب ABC لمحو الأمية الإعلامية” الذي تم توزيعه على جميع طلاب المدارس الثانوية في البلاد. ويؤكد جوسي بولينين، مدير تحرير الصحيفة، على التزامهم بتقديم معلومات موثوقة وقابلة للتحقق.

تحديات المستقبل وأهمية الاستمرار

على الرغم من النجاح الذي حققته فنلندا في تعزيز محو الأمية الإعلامية، إلا أن التحديات لا تزال قائمة. مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يصبح اكتشاف الأخبار المزيفة أكثر صعوبة، وقد تتطلب حلولًا أكثر تطورًا.

كما أشارت مارثا تورنبول، مديرة التأثير المختلط في مركز التميز الأوروبي لمكافحة التهديدات الهجين، إلى أننا قد نصل قريبًا إلى نقطة يصبح فيها من الصعب جدًا التفريق بين الحقيقة والخيال، خاصةً مع ظهور “الذكاء الاصطناعي الوكيل”.

لذلك، من الضروري الاستمرار في الاستثمار في تعليم محو الأمية الإعلامية وتطوير المناهج الدراسية، بالإضافة إلى تعزيز التعاون بين النظام التعليمي ووسائل الإعلام والمجتمع المدني. فالقراءة والكتابة في عالم الذكاء الاصطناعي ليست مجرد مهارة أكاديمية، بل هي ضرورة حتمية لحماية الديمقراطية وضمان مستقبل أفضل لجميع المواطنين. إن التجربة الفنلندية تقدم نموذجًا قيمًا للدول الأخرى التي تسعى إلى مواجهة تحديات التضليل في العصر الرقمي.

شاركها.