في تطور قضائي يثير تساؤلات حول مسؤولية الشركات الأمريكية عن انتهاكات حقوق الإنسان في الخارج، وافقت المحكمة العليا الأمريكية على النظر في استئناف تقدمت به شركة سيسكو (Cisco) بشأن دعوى قضائية تتهمها بالمساعدة في اضطهاد أتباع حركة فالون جونج الروحية في الصين. هذه القضية، التي تضع في الاعتبار حدود المساءلة القانونية للشركات في ظل أنظمة قمعية، قد تحدد سابقة مهمة في مجال حقوق الإنسان والتكنولوجيا.
سيسكو وفالون جونج: تفاصيل القضية المعروضة على المحكمة العليا
تعود جذور هذه القضية إلى عام 2011، عندما رفع أعضاء في حركة فالون جونج دعوى قضائية ضد شركة سيسكو، زاعمين أن الشركة صممت تكنولوجيا خصيصًا للحكومة الصينية، مع العلم أنها ستستخدم لتعقب واحتجاز وتعذيب ممارسي هذه الحركة الروحية. يزعم المدعون أن شركة سيسكو قدمت أدوات مراقبة متطورة ساهمت بشكل مباشر في قمع أتباع فالون جونج، الذين يتعرضون للاضطهاد الشديد في الصين.
دور “الدرع الذهبي” الصيني
تُركز الدعوى القضائية بشكل خاص على دور شركة سيسكو في تطوير ما يُعرف بـ “الدرع الذهبي” (Golden Shield)، وهو نظام الرقابة على الإنترنت الصيني. تشير الوثائق التي تسربت إلى الصحافة في عام 2008 إلى أن شركة سيسكو رأت في هذا المشروع فرصة تجارية مربحة، حتى أنها نقلت عن مسؤول صيني وصف حركة فالون جونج بأنها “طائفة شريرة”. وكشفت العروض التقديمية الداخلية للشركة أن منتجاتها قادرة على التعرف على أكثر من 90٪ من محتوى فالون جونج على الإنترنت، وأنها يمكن أن تُستخدم لتتبع أتباع الحركة.
قوانين المساءلة قيد التدقيق
القضية المطروحة أمام المحكمة العليا تدور حول ما إذا كان يمكن تحميل شركة سيسكو المسؤولية بموجب قانونين رئيسيين: قانون الضرر الذي يلحق بالأجانب (ATS) الذي يعود إلى القرن الثامن عشر، وقانون حماية ضحايا التعذيب (TVPA) الصادر في عام 1991. تجادل شركة سيسكو بأنها ليست مسؤولة بموجب هذه القوانين، وأن نطاقها لا يمتد إلى أفعال الحكومة الصينية.
تدخل إدارة ترامب وتصاعد الجدل حول مسؤولية الشركات
من اللافت أن إدارة ترامب تدخلت في القضية، وحثت المحكمة العليا على الاستماع إليها نيابة عن شركة سيسكو. هذا التدخل أثار انتقادات واسعة، حيث اعتبره البعض محاولة لحماية الشركات الأمريكية من المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان في الخارج.
تقرير أسوشيتد برس: بناء دولة المراقبة الصينية
في العام الماضي، كشف تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس أن شركات التكنولوجيا الأمريكية، بما في ذلك سيسكو، لعبت دورًا كبيرًا في بناء دولة المراقبة الصينية. وأشار التقرير إلى أن هذه الشركات صممت وبنت البنية التحتية التكنولوجية التي تستخدمها الحكومة الصينية لمراقبة وقمع مواطنيها، بتشجيع من الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء. هذا الكشف زاد من الضغط على شركة سيسكو وأثار تساؤلات حول مسؤولية الشركات في حماية حقوق الإنسان.
التحديات القانونية والسياسية للقضية
تواجه المحكمة العليا تحديًا قانونيًا وسياسيًا معقدًا في هذه القضية. في السنوات الأخيرة، أبدت المحكمة العليا والإدارات الرئاسية المتعاقبة حذرًا تجاه الدعاوى القضائية التي تسعى إلى استخدام المحاكم الأمريكية للحصول على العدالة بشأن أفعال الحكومات الأجنبية. ومع ذلك، يجادل محامو أتباع فالون جونج بأن جزءًا كبيرًا من أنشطة شركة سيسكو المتعلقة بالصين تجري داخل الولايات المتحدة، مما يمنح المحاكم الأمريكية اختصاصًا قضائيًا.
مسؤولية الشركات وحقوق الإنسان
تعتبر هذه القضية بمثابة اختبار حاسم لمبدأ مسؤولية الشركات في مجال حقوق الإنسان. إذا قررت المحكمة العليا السماح للدعوى القضائية بالمضي قدمًا، فقد يفتح ذلك الباب أمام المزيد من الدعاوى المماثلة ضد الشركات الأمريكية المتهمة بالمساعدة في انتهاكات حقوق الإنسان في الخارج. من ناحية أخرى، إذا حكمت المحكمة لصالح شركة سيسكو، فقد يرسل ذلك رسالة مفادها أن الشركات الأمريكية تتمتع بحصانة شبه كاملة عن أفعال الحكومات الأجنبية.
القرار المنتظر وتأثيره المحتمل
من المتوقع أن تصدر المحكمة العليا قرارها في هذه القضية بحلول أوائل الصيف. سيكون لهذا القرار تأثير كبير على مستقبل الدعاوى القضائية المتعلقة بحقوق الإنسان، وعلى العلاقة بين الشركات الأمريكية والحكومات الأجنبية. سواء حكمت المحكمة لصالح أتباع فالون جونج أو شركة سيسكو، فإن هذه القضية ستظل نقطة تحول في النقاش الدائر حول حقوق الإنسان والمساءلة القانونية في العصر الرقمي. كما أنها ستسلط الضوء على الدور المتزايد الذي تلعبه الشركات التكنولوجية في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي العالمي، وضرورة وجود آليات فعالة لضمان احترامها لحقوق الإنسان.
هذه القضية تثير أيضًا تساؤلات حول أخلاقيات الشركات وضرورة أن تضع الشركات اعتبارات حقوق الإنسان في صميم استراتيجياتها التجارية. ففي نهاية المطاف، لا يمكن للربح أن يكون على حساب الكرامة الإنسانية.
