واشنطن (أ ف ب) – وافقت المحكمة العليا الأمريكية على النظر في قضية حساسة تتعلق بالخصوصية الرقمية، وتحديداً دستورية استخدام أوامر التفتيش التي تعتمد على بيانات الموقع الجغرافي للهواتف المحمولة. هذه القضية، التي تثير جدلاً واسعاً حول حدود سلطة الشرطة في جمع البيانات الشخصية، قد تحدد مستقبل التحقيقات الجنائية في العصر الرقمي. وتتعلق القضية بما يُعرف بـ أوامر التفتيش الجغرافي، وهي أداة تحقيق تزداد شعبية بين سلطات إنفاذ القانون.
ما هي أوامر التفتيش الجغرافي؟
أوامر التفتيش الجغرافي تسمح للشرطة بطلب بيانات الموقع من شركات مثل Google، بهدف تحديد جميع الأجهزة التي كانت موجودة في منطقة معينة خلال فترة زمنية محددة. تُستخدم هذه الأداة للعثور على المشتبه بهم أو الشهود بالقرب من مسرح الجريمة. تعتمد هذه التقنية على سجل المواقع الذي تحتفظ به شركات التكنولوجيا، والذي يمكن أن يكشف عن تحركات المستخدمين على مدار أيام أو حتى سنوات.
قضية Okello Chatrie: الشرارة التي أشعلت الجدل
القضية الحالية أمام المحكمة العليا تنبع من عملية سطو على بنك في ولاية فيرجينيا عام 2019. استخدمت الشرطة أمر تفتيش جغرافي للحصول على بيانات الموقع من Google لتحديد الأشخاص الذين كانوا بالقرب من بنك Call Federal Credit Union في ميدلوثيان وقت وقوع الجريمة. أدت هذه المعلومات إلى القبض على Okello Chatrie، الذي اعترف لاحقاً بالذنب وحُكم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً تقريباً.
محامو شاتري يجادلون بأن أمر التفتيش كان انتهاكاً صارخاً لحقوقه في الخصوصية، حيث سمح للسلطات بجمع بيانات الموقع لعدد كبير من الأشخاص الذين لم يكن لديهم أي علاقة بالسرقة. ويرون أن هذا يشكل انتهاكاً للتعديل الرابع للدستور الأمريكي، الذي يحمي الأفراد من عمليات التفتيش والمصادرة غير المعقولة.
الخلاف القضائي: بين الحق في الخصوصية وسلطة إنفاذ القانون
المحاكم الأدنى درجة قدمت أحكاماً متباينة في هذه القضية. قاضٍ فيدرالي وافق في البداية على أن التفتيش ينتهك حقوق شاتري، لكنه سمح باستخدام الأدلة بحجة أن الضابط الذي طلب أمر التفتيش كان يعتقد بشكل معقول أنه يتصرف بشكل صحيح. لاحقاً، أيدت محكمة الاستئناف الفيدرالية في ريتشموند الإدانة، بينما قضت محكمة الاستئناف الفيدرالية في نيو أورليانز بأن أوامر التفتيش الجغرافي تنتهك التعديل الرابع.
هذا التباين في الأحكام القضائية هو ما دفع القضية إلى المحكمة العليا. الآن، يقع على عاتق القضاة تحديد ما إذا كانت هذه الأوامر تتوافق مع الدستور، وما هي القيود التي يجب فرضها على استخدامها.
الآثار المترتبة على قرار المحكمة العليا
قرار المحكمة العليا في هذه القضية سيكون له آثار بعيدة المدى على مستقبل التحقيقات الجنائية. إذا قررت المحكمة أن أوامر التفتيش الجغرافي غير دستورية، فقد يضطر قانون إنفاذ القانون إلى إعادة التفكير في استراتيجياته التحقيقية. قد يؤدي ذلك إلى تقليل الاعتماد على بيانات الموقع الجغرافي، والتركيز بشكل أكبر على طرق التحقيق التقليدية.
من ناحية أخرى، إذا أيدت المحكمة استخدام هذه الأوامر، فقد يؤدي ذلك إلى توسيع نطاق سلطة الشرطة في جمع البيانات الشخصية. ومع ذلك، من المرجح أن تضع المحكمة قيوداً على استخدام هذه الأوامر، مثل اشتراط وجود سبب محتمل قوي قبل إصدار أمر التفتيش، أو تحديد الفترة الزمنية التي يمكن جمع البيانات خلالها.
التوازن بين الأمن والخصوصية: تحدٍ مستمر
هذه القضية تسلط الضوء على التحدي المستمر المتمثل في تحقيق التوازن بين الحق في الخصوصية والحاجة إلى الأمن العام. مع تطور التكنولوجيا، تزداد قدرة الحكومة على جمع البيانات الشخصية، مما يثير مخاوف بشأن التعدي على الحريات المدنية.
من المهم أن يكون هناك نقاش عام حول هذه القضايا، وأن يتم وضع قوانين واضحة تحدد حدود سلطة الحكومة في جمع واستخدام البيانات الشخصية. البيانات الجغرافية هي معلومات حساسة، ويجب حمايتها من سوء الاستخدام.
موعد الحكم وتوقعات المراقبين
من المتوقع أن تبدأ المحكمة العليا في مناقشة القضية في وقت لاحق من هذا العام، إما في الربيع أو في أكتوبر، مع بداية الدورة القادمة للمحكمة. يتوقع المراقبون أن يكون الحكم في هذه القضية تاريخياً، وأن يحدد مسار التحقيقات الجنائية في العصر الرقمي لسنوات قادمة. الجميع ينتظر بفارغ الصبر قرار المحكمة العليا بشأن هذه القضية الهامة المتعلقة بالخصوصية الرقمية و تتبع المواقع.
