نيبيوس: عملاق جديد في سباق الذكاء الاصطناعي يبني البنية التحتية من الصفر

في خضم الطفرة الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي، يبرز لاعب جديد بمسار فريد. شركة نيبيوس (Nebius)، التي تأسست في عام 2024، لم تبدأ من العدم، بل انبثقت من رحم عملاق البحث الروسي ياندكس (Yandex) بعد صفقة انفصال معقدة. ورثت الشركة مئات الموظفين وميزانية ضخمة تقدر بحوالي 2.5 مليار دولار، مما منحها قاعدة انطلاق قوية تفتقر إليها العديد من الشركات الناشئة الأخرى في هذا المجال المتسارع. ومع خبرة تمتد لعقود في بناء مراكز بيانات ضخمة، تمتلك نيبيوس معرفة عميقة بالبنية التحتية اللازمة لتشغيل سباق الذكاء الاصطناعي، حيث تركز على بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من الألف إلى الياء.

التقى أركادي فولوز، الرئيس التنفيذي لشركة نيبيوس، في وادي السيليكون خلال مؤتمر GTC الخاص بشركة إنفيديا (Nvidia). وقد أحدث فولوز ضجة كبيرة خلال هذا الأسبوع بالإعلان عن صفقة ضخمة لخدمات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي بقيمة 27 مليار دولار مع شركة ميتا (Meta)، مما دفع أسهم نيبيوس إلى الارتفاع بنسبة 15%، ليبلغ تقييم الشركة حوالي 30 مليار دولار. وفي أعقاب ذلك، أجرى فولوز مقابلة مفصلة لسلط الضوء على الإنفاق المذهل والجهود المتواصلة التي تدعم طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي.

العناصر الأربعة الرئيسية لاندفاع الذكاء الاصطناعي

يشير فولوز إلى أن سباق الحوسبة الخاص بالذكاء الاصطناعي قد تجاوز مجرد وحدات معالجة الرسوميات (GPUs). وقد لخص العناصر الأربعة الرئيسية التي تشكل هذه الفترة الاستثنائية في عالم التكنولوجيا: السعة (Capacity)، رأس المال (Capital)، الرقائق (Chips)، والعملاء (Customers). وقد أوضح كيف أن كل عنق زجاجة من هذه العوامل قد أصبح أكثر إحكاماً خلال العام الماضي، مع استمرار الطلب في التفوق على العرض المتاح.

السعة: لا يمكن للعالم المادي مواكبة سرعة بناء مراكز البيانات. المشكلة الحقيقية تكمن في سلسلة التوريد الأوسع. نشهد نقصاً هائلاً في المكونات المادية الأساسية، مثل المحولات الكهربائية ومولدات الغاز. تهدف نيبيوس إلى تأمين أكثر من 3 جيجاوات من الطاقة المتعاقد عليها بحلول نهاية عام 2026، مما يعكس حجم التحدي والطموح في هذا القطاع.

رأس المال: لقد تغيرت حجم التمويل بشكل دراماتيكي. فبينما جمعت الشركات المليارات العام الماضي، يتطلب الاستحواذ على 10% فقط من سوق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي اليوم استثمارات رأسمالية تقدر بنحو 400 مليار دولار. هذا يوضح حجم رأس المال الهائل المطلوب لدخول المنافسة بقوة.

الرقائق: قبل عام، كان الحصول على حصص من وحدات معالجة الرسوميات هو التحدي الرئيسي. أما الآن، فإن القيود تتجاوز السيليكون نفسه. تشهد الشركة نقصاً هائلاً في رقائق الذاكرة، مما يزيد من تعقيد عملية الإنتاج والتوزيع.

العملاء: يمثل هذا العنصر الطلب الحالي. في العام الماضي، كان السوق يتساءل عما إذا كان للذكاء الاصطناعي طلب حقيقي. اليوم، أصبح هذا الطلب واضحاً ويتجاوز بشكل كبير العرض الذي يمكننا بناؤه. هذا التحول يؤكد على قوة السوق المتنامي.

نموذج بناء نيبيوس: تفوق على المنافسين

تتبنى نيبيوس استراتيجية فريدة في بناء مكدس الذكاء الاصطناعي بالكامل، بدلاً من الاقتصار على تأجير الأجهزة أو استراتيجيات “أحضر رقائقك الخاصة”. يؤكد فولوز على أن الهدف هو أن تكون نيبيوس بمثابة “مقدم خدمة سحابية ضخمة” (hyperscaler) رابع. لا يمكن تحقيق هذا الهدف من خلال العمل كموزع للأجهزة فقط، بل يتطلب امتلاك كامل سلسلة القيمة.

تقوم الشركة بتصميم خوادمها ورفوفها الخاصة، مما يسمح لها بتجاوز الوسطاء والاستيلاء على هامش الربح بأنفسهم. هذا لا يتعلق فقط بتوفير تكاليف الأجهزة، بل يمنح الشركة القدرة على تخصيص السعة بكفاءة وبناء ما يحتاجه العملاء بالضبط. هذا النهج هو ما يجذب العملاء من الشركات الكبرى.

في المقابل، تلجأ شركات أخرى إلى تأجير هياكل مراكز البيانات وشراء رفوف مجمعة مسبقاً، مما يعني التضحية بالهامش في كل خطوة. هذا ليس أسلوب العمل الذي يتبعه مقدمو الخدمات السحابية الضخمة.

طبقات كعكة الذكاء الاصطناعي: استراتيجية زيادة الربحية

يشبه فولوز بنية الذكاء الاصطناعي بخمس طبقات، معتبراً أن نيبيوس تسعى إلى تحقيق ربح أكبر من كل طبقة. تسيطر الشركة على هيكل التكاليف الخاص بها بدءاً من الأساسات المادية وصولاً إلى البرمجيات، مما يمكنها من تقديم اقتصاديات أفضل.

الطبقة الأولى: الأرض والطاقة والهيكل المادي.
الطبقة الثانية: مكونات الحوسبة. بتصميم رفوفها الخاصة، توفر نيبيوس ما بين 15% إلى 20% في هذه الطبقة وحدها، مما يعني توفير 15% إلى 20% حوسبة إضافية لكل وحدة طاقة.
الطبقة الثالثة: الوصول المباشر للمكونات لمقدمي الخدمات السحابية الضخمة.
الطبقتان الرابعة والخامسة: حيث تحقق نيبيوس قيمة مضافة للمؤسسات. تشمل الطبقة الرابعة السحابة متعددة المستأجرين، مما يسمح بمطابقة العرض مع الطلب وبيع الخدمات لعملاء ذوي هوامش ربح أعلى. وتتضمن الطبقة الخامسة الخدمات والاستنتاجات، مثل منصة “مصنع الرموز” (Token Factory) الخاصة بالشركة.

تحديات بناء البيانات الضخمة في أمريكا

على الرغم من أن نيبيوس شركة جديدة نسبياً، يمتلك فريقها عقوداً من الخبرة في بناء البنية التحتية على نطاق واسع. هذا الخلفية التشغيلية يمنحها ميزة تنافسية. ومع تزايد المعارضة لمشاريع مراكز البيانات في العديد من الأماكن بالولايات المتحدة، تتبع نيبيوس نهجاً لبناء الثقة مع المجتمعات المحلية. تهدف الشركة إلى أن تكون البنية التحتية الخاصة بها مفيدة للمقيمين المحليين، وأن تكون المدن التي يتم فيها البناء فخورة بهذه المنشآت. هذا النهج يضمن استمرار المشاريع في مسارها.

مشكلة “وحدات معالجة الرسوميات المظلمة”

يشير مصطلح “وحدات معالجة الرسوميات المظلمة” (Dark GPUs) إلى وحدات الحوسبة الخاملة التي يدفع العملاء مقابلها لكن لا يمكنهم استخدامها بكفاءة بسبب عدم تهيئة المنصات المنافسة لتحقيق أقصى استفادة. تحل نيبيوس هذه المشكلة من خلال التواجد حيث يتواجد بناة الذكاء الاصطناعي. تم بناء سحابتها خصيصاً لمهندسي الذكاء الاصطناعي، وتتولى الشركة إدارة التنسيق لضمان معرفة العملاء دائماً بسعتهم المتاحة الصافية. هذا يتجاوز مجرد تجنب وقت الخمول، إنه يتمحور حول الشراكة والثقة في قدرة الشركة على تلبية احتياجات العملاء أثناء توسعهم.

صفقة ميتا: تمويل استراتيجي

يثير تعليق فولوز بأن صفقة ميتا ليست جزءاً أساسياً من خطة عمل نيبيوس طويلة الأجل دهشة. ومع ذلك، يوضح أن المنتج الأساسي للشركة هو سحابتها متعددة المستأجرين للذكاء الاصطناعي، التي توفر البنية التحتية والبرمجيات المرنة التي تحتاجها الشركات الناشئة والمؤسسات.

يصف فولوز ميتا بأنها عميل متطور ومتطلب للغاية، والعمل معهم يعد بمثابة شهادة قوية على قدرات نيبيوس الهندسية. ومع ذلك، فإن العمل الأساسي للشركة يظل السحابة الاصطناعية للسوق بأكمله. إن العقود الكبيرة مع شركات مثل ميتا ومايكروسوفت (Microsoft) هي بمثابة “وقود” يسمح بتسريع بناء هذا العمل الأساسي. هذه العقود تخلق أساساً لبناء البنية التحتية، وتمنح نيبيوس المزيد من الخيارات لجمع التمويل اللازم لبناء جيجاوات من السعة لسحابتها الخاصة متعددة المستأجرين.

مستقبل نيبيوس

من المتوقع أن تستمر نيبيوس في تعزيز موقعها في سوق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من خلال الابتكار المستمر وتطبيق استراتيجياتها الفريدة. سيتم مراقبة قدرة الشركة على تنفيذ مشاريع بناء مراكز البيانات الضخمة على نطاق واسع، وكذلك نجاحها في جذب المزيد من العملاء للسحابة الاصطناعية الخاصة بها، عن كثب. تبقى مسألة تأمين الطاقة والمكونات المادية، إلى جانب الموافقات المجتمعية، تحديات رئيسية ستواجهها الشركة في مسعاها للنمو.

شاركها.