لوس أنجلوس (أ ف ب) – حققت أغنية “المشي في مسيرتي” التي أنشأها الذكاء الاصطناعي، والتي نُسبت إلى فنان خيالي يُدعى Breaking Rust، رقم 1 في مخطط مبيعات الأغاني الرقمية على Billboard Country هذا الشهر. هذه الظاهرة تثير تساؤلات مهمة حول مستقبل الموسيقى والذكاء الاصطناعي، وحقوق الفنانين، وكيفية إعادة تعريف الإبداع في العصر الرقمي. الأغنية، التي حققت نجاحًا كبيرًا، لم تكن موجودة قبل شهرين، لكنها تعتمد بشكل كبير على عمل فنان حقيقي دون علمه.
قصة أغنية “المشي في مسيرتي” والسر وراءها
الأمر المثير للدهشة هو أن الصياغة الصوتية للأغنية، والشكل اللحني، وحتى الأسلوب الموسيقي، يعود إلى فنان موسيقى الريف المرشح لجائزة جرامي، بلانكو براون. براون، الذي تعاون مع فنانين كبار مثل بريتني سبيرز وتشيلد جامبينو وريانا، لم يكن على علم بوجود هذه الأغنية حتى بدأ هاتفه في استقبال رسائل من الأصدقاء. “لم أكن أعرف حتى عن الأغنية حتى أخبرني الناس عنها”، صرح براون، مضيفًا أن هاتفه “كان ينفجر” بالرسائل التي تخبره عن وجود نسخة رقمية منه، ولكنها بيضاء.
هذه الحادثة ليست مجرد فضول تقني، بل هي مثال واضح على كيفية قيام الذكاء الاصطناعي التوليدي بتغيير صناعة الموسيقى بشكل جذري. أصبح بإمكان أي شخص الآن إنشاء أغانٍ تبدو احترافية عن طريق كتابة طلبات بسيطة في نافذة الدردشة، وغالبًا ما تستخدم هذه الأدوات نماذج مدربة على أصوات وأساليب فنانين حقيقيين دون الحصول على موافقتهم.
من يقف وراء هذا الابتكار المثير للجدل؟
تُدرج الاعتمادات الخاصة بأغنية “Walk My Walk” أوبيير ريفالدو تايلور كأحد مبدعي الأغنية، بالإضافة إلى كونه كاتب الأغاني والمنتج على منصات البث مثل Apple Music وSpotify. في الأشهر الأخيرة، نُسب الفضل إلى تايلور أيضًا في أعمال أخرى لفنانين تم إنشاؤهم بواسطة الذكاء الاصطناعي، مثل Defbeatsai.
ولكن، هناك رابط آخر يربط هذا المشروع ببلانكو براون: أبراهام أبوشميس، أحد مساعدي براون السابقين. أبوشميس شارك في كتابة أغنيتين في ألبوم براون لعام 2019، كما أنه مطور لتطبيق Echo، وهو تطبيق غامض لتوليد الموسيقى يعمل بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، أصبح أبوشميس غير متاح للتعليق، مما يزيد من الغموض حول هذه القضية.
رد فعل بلانكو براون وتحدي الفراغ القانوني
الصورة الرمزية الرقمية لمغنية الريف البيضاء التي تغني بصوت مشابه لصوت براون هي ما جعل الموقف ينتقل من مجرد إثارة إلى شعور بعدم الارتياح. “إنه رجل أبيض يعمل بالذكاء الاصطناعي وله صوت أسود”، قال براون، مضيفًا: “وهو يغني مثل الروحاني الزنجي.”
رد براون على هذا التطور لم يكن الصمت، بل التسجيل غلافًا للأغنية وإصداره، بالإضافة إلى العمل على نسخة معدلة من الأغنية بكلمات جديدة وترتيب موسيقي مختلف. هذا الرد يمثل تحديًا مباشرًا للفراغ القانوني والأخلاقي والسياسي المحيط بالموسيقى التي يولدها الذكاء الاصطناعي. يهدف براون إلى استخدام تجربته الحية لإجبار الصناعة والمشرعين على مواجهة من يملك الفن وما يحدث عندما تتجاوز التكنولوجيا حقوق المبدعين.
مستقبل الموسيقى في عصر الذكاء الاصطناعي
نجاح أغنية “Walk My Walk” يوضح أن الموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي قد قفزت من مجرد تجربة على الإنترنت إلى ثورة تجارية حقيقية. يقول جوش أنتونوتشيو، مدير قمة صناعة الموسيقى بجامعة أوهايو: “إننا ندخل فترة غريبة للغاية وغير مسبوقة من الإبداع والصناعة”.
وقد بدأت شركات التسجيل الكبرى في اتخاذ إجراءات قانونية ضد شركات إنتاج الأغاني التي تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي، مثل Suno وUdio، متهمة إياها بتدريب نماذجها على التسجيلات المحمية بحقوق الطبع والنشر دون إذن. ومع ذلك، بدأت بعض الشركات في التفاوض والتوصل إلى اتفاقيات ترخيص جديدة.
التحديات الأخلاقية والثقافية
بالإضافة إلى الجوانب القانونية، تثير هذه القضية تساؤلات أخلاقية وثقافية عميقة. بالنسبة لبراون، يعتبر هذا الوضع مسألة عرقية وثقافية، حيث أمضى سنوات في التنقل بين موسيقى الريف كفنان أسود يمزج بين موسيقى الإنجيل والهيب هوب والبوب والتوانغ. ويرى أن نجاح أغنية الذكاء الاصطناعي المبنية على هويته الصوتية والمقترنة بشخصية بيضاء يعكس نمطًا مألوفًا في ناشفيل: إعادة نسب الابتكار من الفنانين السود.
الذكاء الاصطناعي: كاشف وليس تهديدًا
على الرغم من كل هذه التحديات، يصر براون على أنه ليس مناهضًا للذكاء الاصطناعي. إنه يرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية، لكنه يؤكد أن الفنانين الحقيقيين سيظلون دائمًا في المقدمة. “الفنانون الحقيقيون سوف ينتصرون دائمًا”، قال براون. “الهدف هو الحياة حيث لا يستطيع الجشع تحقيق ذلك.”
في النهاية، يمثل هذا الموقف فرصة لإعادة التفكير في كيفية تقييم الإبداع في العصر الرقمي، وكيفية حماية حقوق الفنانين، وكيفية ضمان أن التكنولوجيا تعمل لصالح الجميع، وليس فقط لصالح الشركات الكبرى. تطورات الذكاء الاصطناعي ستستمر في تشكيل مستقبل الموسيقى، ولكن من الضروري أن نضمن أن هذا التطور يتم بطريقة عادلة وأخلاقية ومستدامة.
