اتفاقية تجارية تاريخية تعزز الشراكة بين واشنطن وتايبيه
في خطوة تحمل في طياتها أهمية اقتصادية واستراتيجية، أبرمت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب اتفاقية تجارية كبرى مع تايوان، تهدف إلى إزالة الغالبية العظمى من الحواجز الجمركية بين البلدين. هذا الاتفاق، الذي جاء في وقت تتزايد فيه حاجة الولايات المتحدة إلى رقائق الكمبيوتر التي تعد تايوان رائدة عالميًا في إنتاجها، يمثل نقطة تحول محتملة في العلاقات التجارية بين القوتين، ويؤثر بشكل كبير على ميزان التجارة العالمي.
إزالة حواجز جمركية واسعة النطاق
أعلن مكتب الممثل التجاري الأمريكي أن تايوان وافقت على إزالة أو خفض 99% من حواجزها الجمركية، وهو ما يمثل خطوة هائلة نحو تسهيل التجارة والاستثمار. هذه الخطوة، التي تم توقيعها برعاية المعهد الأمريكي في تايوان ومكتب التمثيل الاقتصادي والثقافي لتايبيه في الولايات المتحدة، تضمنت حضور مسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين، مثل الممثل التجاري جاميسون جرير ووزير التجارة هوارد لوتنيك.
كما حضر التوقيع نائب رئيس مجلس الدولة التايواني لي تشيون تشنغ ووزير حكومتها جين ني يانغ، مما يؤكد على الأهمية التي يوليها الطرفان لهذه الاتفاقية. وقد وصف جرير الاتفاقية بأنها تجسيد للقيادة الأمريكية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وأنها تسهم في بناء علاقات تجارية مزدهرة وتعزيز المصالح الاقتصادية والأمنية للشعب الأمريكي.
موازين تجارية جديدة ورسوم جمركية متكافئة
بموجب الاتفاقية، ستخضع معظم صادرات تايوان إلى الولايات المتحدة لضريبة بنسبة 15%، وهو المعدل نفسه المفروض على شركاء الولايات المتحدة التجاريين الآخرين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مثل اليابان وكوريا الجنوبية. هذا التكافؤ في الرسوم الجمركية يمنح الشركات التايوانية القدرة على المنافسة على قدم المساواة مع نظيراتها في الدول المتقدمة الأخرى.
من جانبها، أكدت الحكومة التايوانية أن الاتفاقية “أزالت” العيب الناجم عن عدم وجود اتفاقية تجارة حرة بين تايوان والولايات المتحدة، مما يفتح آفاقًا جديدة للنمو والتعاون. هذا التطور يأتي في وقت حساس، حيث تظل الولايات المتحدة معتمدة بشكل كبير على تايوان في إنتاج رقائق الكمبيوتر، والتي ساهم تصديرها في إحداث خلل في الميزان التجاري بنحو 127 مليار دولار خلال الأشهر الـ11 الأولى من عام 2025.
استثمارات ضخمة تدعم قطاعات استراتيجية
من أهم جوانب هذه الاتفاقية هو تركيزها على دعم الصناعات الاستراتيجية لكلا البلدين، وفي مقدمتها قطاع رقائق الكمبيوتر. فقد التزمت الشركات التايوانية، وعلى رأسها عملاق صناعة الرقائق TSMC، باستثمارات ضخمة في الولايات المتحدة، تقدر بنحو 165 مليار دولار، تشمل بناء مصانع تصنيع ومراكز بحث وتطوير متقدمة.
تهدف هذه الاستثمارات إلى دعم طموحات الذكاء الاصطناعي الأمريكية وتعزيز سلسلة التوريد المحلية للتكنولوجيات المتقدمة. وتأتي هذه الخطوة في إطار صفقة منفصلة ولكنها ذات صلة، حيث ستستثمر تايوان استثمارات إجمالية بقيمة 250 مليار دولار في الصناعات الأمريكية، تشمل رقائق الكمبيوتر، تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والطاقة.
تايوان كشريك استراتيجي في التكنولوجيا المتقدمة
تأمل تايوان، من خلال هذه الاتفاقية، أن تصبح شريكًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، مما يعزز من مكانة المعسكر الديمقراطي في مجال التكنولوجيا المتقدمة. هذه الشراكة الاستراتيجية ستسهل على الولايات المتحدة بيع منتجاتها مثل السيارات والأدوية والمنتجات الغذائية في تايوان، بينما تلعب الشركات التايوانية دورًا حاسمًا في دعم الإنتاج المحلي للولايات المتحدة.
من الجدير بالذكر أن هذه الاتفاقية تأتي قبل زيارة الرئيس ترامب المتوقعة للصين، مما يضيف بعدًا جيوسياسيًا لهذه التطورات الاقتصادية. وعلى الرغم من تأكيد تايوان على تعديل التعريفات الجمركية، إلا أنه سيتم الإبقاء على الرسوم الجمركية على 93 سلعة لحماية قطاعاتها الزراعية والصناعية الحيوية، مثل زراعة الأرز.
تعزيز القدرات الصناعية الأمريكية
من جانبه، أكد الجانب الأمريكي أن الصفقة مع تايوان ستساهم في إنشاء مناطق صناعية “ذات مستوى عالمي” في أمريكا، بهدف تعزيز التصنيع المحلي للتكنولوجيات المتقدمة كالرقائق. وقد وصفت وزارة التجارة الأمريكية هذه الصفقة بأنها “تاريخية” وستقود عملية إعادة هيكلة ضخمة لقطاع أشباه الموصلات في أمريكا.
في المقابل، ستمنح الولايات المتحدة تايوان معاملة تفضيلية فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية المحتملة، خاصة تلك الناجمة عن تحقيقات المادة 232. هذا التعامل التفضيلي يضمن استمرارية استثمارات الشركات التايوانية، مثل TSMC، في الولايات المتحدة، مع التركيز على الحفاظ على مراكز البحث والتطوير والإنتاج المتقدم في تايوان لضمان النمو المستمر.
ختام
تمثل هذه الاتفاقية التجارية بين الولايات المتحدة وتايوان نموذجًا للشراكة الاقتصادية ذات المنفعة المتبادلة، التي تهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي، دعم الصناعات الاستراتيجية، وتعزيز القدرات التكنولوجية لكلا الطرفين. ورغم التحديات الجيوسياسية المحيطة، إلا أن العزم على تعميق العلاقات الاقتصادية سيبقى دافعًا قويًا نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وتعاونًا.
