تأهل تاريخي للمنتخب العراقي إلى كأس العالم لكرة القدم بعد سنوات من الاضطرابات.
العراق يتجاوز عقبة بوليفيا ويتأهل لكأس العالم: قصة أمل وصمود
في لحظة احتضان عالمية لكرة القدم، تمكن المنتخب العراقي من تحقيق إنجاز استثنائي بالتأهل إلى نهائيات كأس العالم، بعد تغلبه على نظيره البوليفي بنتيجة 2-1 في مباراة الملحق المصيرية التي أقيمت على ملعب إستاديو بي بي في مونتيري. هذا التأهل، الذي جاء بعد رحلة طويلة ومليئة بالتحديات، يمثل بارقة أمل وفرحة عارمة لملايين العراقيين الذين عاشوا سنوات عصيبة من الصراعات والنزوح.
علق علي الحمادي، مسجل الهدف الافتتاحي للعراق، بدموع الفرح بعد المباراة، قائلاً: “اتصلت بوالدي على أرض الملعب وكنت أبكي. لا أعتقد أن الناس يفهمون حجم ما مررنا به كبلد وشعب. هناك سبب يجعلنا جميعًا نعيش في الخارج لأن عائلاتنا اضطرت للمغادرة لمنحنا مستقبلًا أفضل. العودة وتقديم الفرح لملايين الناس… هذا هو سبب حبنا لكرة القدم.”
تبرز قصة الحمادي، البالغ من العمر 24 عامًا، جانبًا من المعاناة التي عاشها العراق منذ مطلع القرن. ففي سن مبكرة، اضطر مع والدته للفرار من وطنه بعد سجن والده إبراهيم لدوره في احتجاجات سلمية ضد ديكتاتورية صدام حسين. استقرت العائلة في المملكة المتحدة عام 2003، بالتزامن مع بدء حرب العراق، ومنذ ذلك الحين، يعتبر الحمادي، الذي يلعب حاليًا على سبيل الإعارة في نادي لوتون تاون، نفسه عراقيًا بامتياز رغم لهجته الإنجليزية الواضحة.
وأوضح الحمادي: “بالنسبة لوالدي أن يغادر البلاد ثم أعود أنا، لا أستطيع وصف ذلك بالكلمات. إنه يستحق ذلك، وعائلتي تستحق ذلك، وجميع الشعب العراقي يستحق ذلك بعد كل ما مروا به.”
التحديات اللوجستية والروح المعنوية العالية
لم يكن طريق المنتخب العراقي إلى الملحق سهلاً. فقد اضطر اللاعبون والطاقم الفني للسفر لمدة 10 ساعات بالسيارة إلى عمّان، الأردن، لحجز رحلاتهم المتجهة إلى أوروبا ثم المكسيك. هذه القيود اللوجستية، التي فرضتها القيود على المجال الجوي العراقي بسبب الصراع الإقليمي، لم تكسر عزيمة الفريق.
قال ريبين سليمان، أحد أقدم لاعبي المنتخب الذي يلعب حاليًا في تايلاند: “الرحلة كانت جحيمًا لبعض اللاعبين. نأمل أن نكون قد جعلناهم فخورين وأن نتمكن من توحيد الناس في العراق للاحتفال بهذه اللحظة. أتذكر عام 2007 عندما فاز العراق بكأس آسيا، كنت أحتفل في الشوارع في السويد لأن عائلتنا انتقلت إلى هناك بسبب الحرب. أعرف أن الشعور سيكون نفسه.”
وقد انتشرت مقاطع فيديو لمشاهد الاحتفالات في جميع أنحاء العراق، حيث يمثل التأهل لكأس العالم لأول مرة منذ عام 1986 مصدرًا للتفاؤل في وقت يسوده عدم اليقين. وعلى الرغم من الجهود المبذولة نحو تحقيق الاستقرار في البلاد، إلا أن التوترات الإقليمية الأخيرة أثارت مخاوف جديدة. وقد اتخذ المدرب غراهام أرنولد إجراءات لحماية اللاعبين من هذه الضغوط، بما في ذلك حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة المعسكر التدريبي.
رحلة الملحق: صراع العقول والأجساد
شهدت مباراة العراق وبوليفيا، وهي آخر مباريات الملحق، صراعًا عاطفيًا ورياضيًا قويًا. فقد كانت بوليفيا، بقيادة مدربها أوسكار فيلجاس، تتوق أيضًا لإنهاء فترة غيابها عن كأس العالم التي امتدت لـ 32 عامًا. وأقر فيلجاس بالضغط الذي يواجهونه: “الأمة بأكملها تنظر إلينا.”
كانت الأجواء مشحونة قبل المباراة، حيث تجمع حوالي ألف مشجع بوليفي خارج فندق الفريق في مونتيري، حاملين الأعلام والطبول، مما استدعى تدخل الشرطة لإغلاق أحد الشوارع. وعلى الجانب الآخر، كانت جماهير العراق المغتربة، التي قدمت من مدن مختلفة في الولايات المتحدة وكندا والسويد، تحتفل بحماس في مدرجات الملعب.
قضى أرنولد، الذي قضى ثمانية أشهر من العامين الماضيين في بغداد لفهم الثقافة العراقية، وقتاً طويلاً في التركيز على الجانب الذهني للاعبيه. وقد نجح سابقًا في قيادة أستراليا للتأهل إلى كأس العالم 2022، مما منحه خبرة قيمة في التعامل مع ضغوط المباريات الحاسمة.
نظرة نحو المستقبل: مفاجأة العالم؟
قدم المنتخب العراقي أداءً قويًا، حيث افتتح الحمادي التسجيل برأسية متقنة، قبل أن يضيف أيمن حسين الهدف الثاني بعد تمريرة من ماركو فرجي. ورغم محاولات بوليفيا العودة، إلا أن الخبرة والتنظيم العراقي حسم اللقاء.
على الرغم من صعوبة المجموعة التي وقع فيها العراق في كأس العالم، والتي تضم منتخبات قوية مثل النرويج وفرنسا والسنغال، إلا أن أرنولد لا يخشى المواجهة. وقال بابتسامة: “ليس لدينا ما نخسره، لذا دعونا نذهب إلى هناك ونفاجئ العالم.”
يمثل هذا التأهل التاريخي فرصة للعراق لتقديم صورة مشرفة عن بلاده وشعبه للعالم، وتجاوز سنوات الألم والتحديات، ليحتفي بلحظة استثنائية من الفرح والأمل، مستشهدين بالروح القتالية والعزيمة التي طالما اتسم بها الشعب العراقي. يبقى التحدي الآن في تقديم أداء يليق بهذا الإنجاز في المحفل العالمي.
