اكتمال عقد المنتخبات المتأهلة لكأس العالم: العراق يحجز مقعده الأخير

العراق أولاً، ثم أمريكا: رحلة تاريخية إلى كأس العالم

بعد منافسة شرسة امتدت على مدار عام كامل، أسدل الستار على تصفيات كأس العالم لكرة القدم، حيث حجز منتخب العراق المقعد الأخير المؤهل للنهائيات، ليصبح بذلك الفريق رقم 48 الذي يضمن مكانه في هذا الحدث الكروي العالمي. جاء تأهل أسود الرافدين عقب فوزهم المثير بهدفين مقابل هدف واحد على منتخب بوليفيا في المباراة الفاصلة التي أقيمت في مونتيري بالمكسيك. هذا الانتصار يمثل عودة تاريخية للعراق إلى منصة التتويج العالمية لأول مرة منذ مونديال المكسيك عام 1986، بعد غياب دام أربعة عقود.

أتت المباراة في مونتيري متباينة الأداء عن مواجهة أخرى أقيمت قبلها، وهي الملحق القاري بين الكونغو الديمقراطية وجامايكا، والذي انتهى بفوز الكونغو بهدف نظيف بعد وقت إضافي. في المقابل، أظهر العراق تماسكاً أعصابياً كافياً لإنهاء طول الانتظار، مما يمثل لحظة فارقة في تاريخ كرة القدم العراقية.

افتتح علي الحمادي التسجيل للعراق برأسية سهلة من مسافة قريبة، كاشفاً عن بعض الثغرات الدفاعية في صفوف المنتخب البوليفي. ولم يكد الشوط الثاني يبدأ حتى استغل المنتخب العراقي هذه الهفوات مجدداً، عندما أضاف أيمن حسين الهدف الثاني بعد تلقيه عرضية مميزة من ماركو فرجي. وعلى الرغم من أن مويسيس بانيغوا، الجناح البوليفي البالغ من العمر 18 عاماً، نجح في تعديل الكفة لبوليفيا بعد هدف الحمادي، إلا أن هذه المحاولة لم تكن كافية للمنتخب القادم من أمريكا الجنوبية، الذي كان يسعى لإنهاء 32 عاماً من الغياب عن كأس العالم.


ماذا يعني هذا الوصول للعراق؟

تُعد هذه اللحظة أعظم إنجاز كروي لكرة القدم العراقية منذ الفوز بكأس آسيا عام 2007. إنها نهاية عاطفية لأربعة عقود من الانتظار للمشاركة في أكبر بطولة كروية على مستوى العالم. وبعد مرور أربعين عاماً على آخر ظهور لهم في النهائيات، حيث احتلوا المركز الأخير في مجموعتهم، كان من المناسب أن تعود مسيرتهم نحو البطولة العالمية إلى المكسيك مرة أخرى.

كان هذا التأهل تتويجاً لمسيرة تصفيات شاقة بلغت 21 مباراة، وهو مكافأة للواقعية والصلابة التي نجح المدرب غراهام أرنولد، المدير الفني السابق لمنتخب أستراليا، في ترسيخها منذ توليه المسؤولية في مايو الماضي.

غراهام أرنولد يحتفل مع لاعبيه (Julio Cesar Aguilar/AFP via Getty Images)

إن الوصول إلى كأس العالم يحمل أهمية إضافية في ظل ظروف شديدة من عدم اليقين في الداخل العراقي. فقد شهدت الفترة الماضية قصفاً على الأراضي العراقية بسبب الصراع الدائر بين جارتها إيران والولايات المتحدة، مما اضطر غالبية لاعبي أرنولد إلى السفر براً إلى الأردن قبل استقلال رحلاتهم المتجهة إلى المكسيك.

كانت الساعة السادسة صباحاً في العراق عندما بدأت المباراة، إلا أن متابعيهم حول العالم سيكونون سعداء بالإمكانيات التي ستحملها هذه البطولة هذا الصيف. سيتوجه فريق أرنولد إلى كأس العالم كفريق غير مرشح في مجموعة تضم فرنسا، وصيفة بطلة العالم 2022، والنرويج التي يمثلها إرلينغ هالاند، والسنغال، بطلة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة. مع ذلك، فإن هذا لا يهم العراق، فأي نتيجة ستكون مكافأة إضافية.


ماذا بعد لبوليفيا؟

الشعور السائد هو خيبة الأمل. فقد خاضت بوليفيا حملة تصفيات طويلة، حيث لعبت مباريات إقصائية فعلياً على مدار الاثني عشر شهراً الماضية. السقوط في المحطة الأخيرة، مع وجود كأس العالم في الأفق، يمثل ألماً شديداً لأمة لم تصل إلى هذه المرحلة منذ مونديال الولايات المتحدة عام 1994.

وكانت بوليفيا قد تغلبت على البرازيل في مباراتها الأخيرة في تصفيات أمريكا الجنوبية لتصل إلى الملحق القاري، ثم عادت من التأخر لتفوز على سورينام الأسبوع الماضي، لتستحق بذلك مواجهة العراق. وكان مدرب المنتخب أوسكار فيليغاس قد تحدث عن أن “أمة بأكملها” كانت تتابع تقدمهم عشية المباراة النهائية، وقد أثقل هذا العبء كاهلهم في النهاية.

ومع ذلك، سيجد فيليغاس بعض الراحة في التقدم الذي أحرزه الفريق منذ المشاركة المخيبة للآمال في كوبا أمريكا 2024. فقد تم دمج جيل جديد من اللاعبين الشباب، مع التركيز على بناء فريق قادر على التأهل لكأس العالم 2030، الذي تستضيفه إسبانيا والبرتغال والمغرب.

لقد كانت هذه الفرصة غير متوقعة، لكنها جاءت مبكراً جداً، تاركة آلاف المشجعين البوليفيين في حالة من الإحباط في مونتيري.

لاعبو بوليفيا في حالة يرثى لها بعد صافرة النهاية

لاعبو بوليفيا كانوا في حالة يرثى لها بعد صافرة النهاية (Julio Cesar Aguilar/AFP via Getty Images)


كيف صنع مهاجم من دوري الدرجة الأولى تألقه؟

لقد مرت فترة صعبة على اللاعب علي الحمادي منذ انتقاله الناجح من فريق AFC Wimbledon، الذي كان يلعب في الدرجة الرابعة آنذاك، إلى نادي Ipswich Town الواعد بالصعود إلى الدوري الممتاز في يناير 2024، بصفقة بلغت قيمتها مليون جنيه إسترليني. وعلى الرغم من فترات الإعارة التي قضاها مع Stoke City ونادي Luton Town حالياً، فقد واجه صعوبات في التسجيل.

لكن المهاجم، الذي نشأ في ليفربول، نجح في إلهاب حماس أمة بأكملها خلال 10 دقائق فقط من بداية المباراة. وعلى الرغم من أن بوليفيا، وهو منتخب لا يمتلك قامات طويلة، بدا عرضة للخطر من الكرات الثابتة أثناء وصوله إلى هذه المرحلة، فإن عرضية فينيّة من الركلة الركنية كانت في انتظار الحمادي غير المراقب ليسجل هدفا سهلا برأسه من مسافة ثماني ياردات.

وكان الحمادي قد سجل سابقاً هدفاً حاسماً في فوز العراق المزدوج على الإمارات في نوفمبر، وهذا الإنجاز الأخير يؤكد مكانته المتصاعدة كبطل قومي. كل هذا يأتي في موسم ابتلي بالإصابات، حيث لم يسجل اللاعب البالغ من العمر 24 عاماً أي هدف في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي (الدرجة الثالثة).

علي الحمادي يحتفل بهدفه الافتتاحي

علي الحمادي يحتفل بهدفه الافتتاحي (Hector Vivas – FIFA/FIFA via Getty Images)


ماذا سيقدم مشجعو العراق لكأس العالم؟

لن يكون هناك نقص في الشغف والحماس.

لقد حضروا بالآلاف إلى سفوح جبال مونتيري في شمال شرق المكسيك، وزاد عددهم مع اقتراب الأيام من مباراة كانت ذات أهمية قصوى كما لم يحدث منذ مطلع القرن. شكل المغتربون العراقيون الجزء الأكبر من الدعم، مع وجود مشجعين من دول مثل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة.

كان من الصعب تقدير عدد المشجعين العراقيين داخل الملعب، نظراً لتوزعهم في جميع المدرجات، لكنهم بدا أنهم يحظون بدعم محلي أيضاً، مما رفع عدد الحضور إلى 49,286 متفرجاً في ملعب مونتيري. وهذا يمثل زيادة قدرها 16,000 متفرج مقارنة بالفوز الضيق الذي حققته بوليفيا على سورينام قبل خمسة أيام.

وقد استمتعت مدينة مونتيري، التي ستستضيف أربع مباريات في الصيف، باستضافة المباريات الفاصلة بين القارات، واستخدمت كلا المباراتين كاختبارات للفعاليات الأكبر القادمة. ولم يكن هناك ما يشير إلى أن المدينة لن تكون جاهزة لمباراتها الافتتاحية بين السويد وتونس في المجموعة السادسة في 14 يونيو.

شاركها.