في تطور لافت، كسر جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، صمته يوم الأحد، ولكن هذه المرة عبر كاميرا الفيديو. في خطوة نادرة، نشر باول رسالة فيديو بعد أن صرح بأن البنك المركزي تلقى استدعاءات من هيئة محلفين كبرى، مما قد يؤدي إلى توجيه اتهامات جنائية. هذا الحدث، الذي أثار جدلاً واسعاً، يضع سياسة الاحتياطي الفيدرالي تحت المجهر ويثير تساؤلات حول استقلالية البنك المركزي.

خلفية القضية: استدعاءات هيئة المحلفين والضغوط السياسية

أفاد باول أن الاستدعاءات تتعلق بشهادته في يونيو حول مشاريع التجديد في مكاتب الاحتياطي الفيدرالي، وأن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب استخدمت هذه الخطوة كوسيلة للضغط على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة. وقد أثارت هذه الأخبار ردود فعل انتقادية من رؤساء سابقين للاحتياطي الفيدرالي والعديد من قادة الأعمال. في المقابل، نفى ترامب علمه بالتحقيق الذي تجريه وزارة العدل.

بالنسبة لباول، الذي عادة ما يتجنب الرد علناً على انتقادات ترامب، فإن الاستجابة العلنية – وشكل الفيديو نفسه – أرسلت إشارة قوية. لطالما سعى باول إلى تعزيز صورة استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وتجنب الانخراط في الخلافات السياسية.

لماذا كان الفيديو خطوة استراتيجية؟

يعتقد خبراء الاتصال والقيادة أن اختيار باول لإصدار بيان فيديو لم يكن عشوائياً، بل كان خطوة مدروسة بعناية. في العصر الرقمي الحالي، حيث تهيمن وسائل التواصل الاجتماعي، يتيح الفيديو لباول التحكم في السردية بشكل مباشر، دون الاعتماد على الوسطاء. بالإضافة إلى ذلك، يسمح له بمواكبة نشاط ترامب المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي.

سهولة الانتشار والتأثير البصري

تعتبر مقاطع الفيديو أسهل في المشاركة من البيانات النصية. وقد حقق مقطع الفيديو الخاص بباول أكثر من 875 ألف مشاهدة على يوتيوب في أقل من 24 ساعة. كما أوضح ماثيو لومبارد، رئيس قسم دراسات الإنتاج الإعلامي في جامعة تمبل، أن الأخبار ووسائل الإعلام الاجتماعية تتجه بشكل متزايد نحو المحتوى المرئي. وبالتالي، فإن استخدام الفيديو يزيد من احتمالية استخدام الصحفيين والمعلقين للمادة الإعلامية.

إرسال رسالة مباشرة وقوية

يضيف لومبارد أن الفيديو، خاصة عندما يتحدث الشخص مباشرة إلى الكاميرا، يزيد من الشعور بالحضور. وهذا يجعل الرسالة أكثر تأثيراً. إنه يوفر “إدراكاً حيوياً، وكأن المتحدث يتحدث إليك شخصياً”.

الوصول إلى جمهور أوسع

أشارت تشيلسي بوتكوفسكي، أستاذة مساعدة في الاتصالات بجامعة أمريكية، إلى أن اختيار باول لإنشاء مقطع فيديو قصير يزيد من احتمالية مشاركته على منصات مثل Instagram Reels و YouTube Shorts و TikTok. هذا يوسع نطاق وصول رسالته إلى جمهور أوسع بكثير، بما في ذلك الشباب الذين قد لا يتابعون الأخبار التقليدية.

تعزيز الثقة في الاستقلالية النقدية

لم يقتصر تأثير الفيديو على الانتشار الواسع، بل امتد إلى طريقة تقديمه. إن أسلوب باول الهادئ والمدروس في التواصل، مع التركيز على التواصل البصري والنبرة المتسقة، ساهم في تعزيز سلطته ومصداقيته. كما أوضحت بوتكوفسكي، فإن باول “يسقط إحساساً بالاستقرار والقوة”.

علاوة على ذلك، فإن اختيار مكان تصوير الفيديو لم يكن عابراً. إن تصوير الفيديو أمام خلفية زرقاء مع العلم الأمريكي في الخلفية يهدف إلى إثارة الشعور بالتقاليد والوطنية، مع التواصل مع الجمهور بطريقة حديثة ومباشرة.

إشارة إلى خطورة الموقف

إن صمت باول المعتاد على انتقادات ترامب يجعل استجابته هذه أكثر دلالة. فهو يرسل رسالة مفادها أن هذا الأمر يمثل تحدياً كبيراً بالنسبة له وللمؤسسة التي يرأسها. باول يوضح بشكل ضمني أن السياسة النقدية يجب أن تكون مبنية على الأدلة والظروف الاقتصادية، وليس على الضغوط السياسية أو التهديدات.

الخلاصة: رسالة واضحة في وقت حرج

باختصار، لم يكن رد جيروم باول على استدعاءات هيئة المحلفين مجرد بيان دفاعي، بل كان خطوة استراتيجية تهدف إلى حماية استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وتعزيز الثقة في القرارات الاقتصادية، وإرسال رسالة واضحة إلى جميع الأطراف المعنية بأن البنك المركزي لن يتزعزع في أداء مهامه. من خلال اختيار الفيديو كوسيلة للتواصل، نجح باول في الوصول إلى جمهور واسع، والتحكم في السردية، وإبراز أهمية الحفاظ على استقلالية البنك المركزي في مواجهة الضغوط السياسية. هذا الحدث يمثل نقطة تحول في العلاقة بين الاحتياطي الفيدرالي والإدارة الأمريكية، ويستدعي المزيد من المراقبة والتحليل في الفترة القادمة.

شاركها.