ولعل مصطلح “حرب الإبادة الجماعية” الذي استخدم على نطاق واسع في عوالم الإعلام والدبلوماسية والأكاديميا في أعقاب “عملية طوفان الأقصى”، هو المصطلح الأنسب لمسار العملية الوحشية التي تجري ضد غزة. لأكثر من 250 يوما. وهو التشخيص الأدق لطبيعة هذا القتل الذي يستمر بضراوة بالغة، نظرا لكون واقع الأعمال الإجرامية متطابقا مع التعريفات والأحكام والمعايير والشروط القانونية المعمول بها في محكمة العدل الدولية ( محكمة العدل الدولية)، ومجلس حقوق الإنسان، والأمم المتحدة وغيرها من منظمات حقوق الإنسان المرموقة. مما يجعل من المستحيل استبدال هذه التسمية المتفق عليها بأي مصطلح فقهي آخر أو محوها من الضمير الإنساني والسجلات التاريخية والذاكرة الجماعية.

ولكن في خضم حرب الإبادة المجنونة هذه، وفي مساراتها الطويلة المميتة، أصبحت العديد من الخطايا الكبرى واضحة لكل ذي بصر، ولم يسبق لها مثيل في الحروب المعاصرة، على الأقل منذ الحرب العالمية الثانية، التي ارتكبتها قوات الاحتلال المسلحة. بروح الانتقام من أهل غزة وأرضها، وبشكل منهجي ومفرط، من الألم وسفك الدماء والإزهاق في الأرواح، من جهة، والدمار والدمار الشامل، ونيل مقومات الحياة الإنسانية في القطاع المحاصر، من جهة أخرى، الأخرى. هذا بالإضافة إلى قائمة طويلة من الجرائم المتشابهة في الشكل والغرض، وجميعها موثقة بأدلة قاطعة، وبعضها معروض أمام المحاكم الدولية. وسوف أتطرق إلى أربع من الكبائر التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة.

اقرأ: إسرائيل ترتكب 3300 مجزرة بحق غزة منذ 7 أكتوبر – GMO

الأول هو عملية إعدام السكان، والتي تتم بقرار من القيادة المركزية وعلى أوسع نطاق ممكن، وخاصة الأطفال والنساء، وحتى الرضع، بشكل ممنهج يهدف إلى وقف التكاثر وتعاقب الأجيال. وهذا في الأساس حكم إعدام جماعي كامل ضد الشعب وتطهير عرقي كامل، إن لم يكن إبادة جماعية في حد ذاتها، دون مبالغة. وهي تنفيذ لأهداف هذه الحرب ذات الجذور الدينية، وانسجاماً مع شعارات وتصريحات قادتها بأنه لا يوجد أبرياء في غزة، وأن أهلها حيوانات بشرية، ولا يوجد مدنيون في القطاع المكتظ بالسكان. . وتستخدم هذه مبررات للمجازر اليومية؛ قتل عشرات الآلاف دون أدنى شعور بالذنب أو الضمير. هذا بالإضافة إلى تجويع الأهالي حتى الموت ومنع المياه ومحو مخيمات اللاجئين وأهميتها الرمزية.

والثاني تنفيذ أيضاً، ولكن هذه المرة هو تنفيذ كامل للمنطقة بالكامل، بما في ذلك الأراضي الزراعية والمصانع والشوارع والأزقة والأبراج وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والجامعات وسيارات الإسعاف، وكل معلم يدل على وجود حياة بشرية في هذا المكان في وقت ما، وقد قامت حضارة في هذا الشريط الساحلي الضيق. وهي المنطقة التي دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين من أجلها “أن يستيقظ ذات يوم ليجد أن غزة غرقت في البحر”، بسبب الرعب الذي يعاني منه الاحتلال والمستوطنون من حيث الخسائر الكبيرة وحجم القصف. ودماءهم التي سفكت هناك.

والثالثة، الحرب الشاملة على المستشفيات والأطباء والمعدات الطبية وحتى على المرضى في أسرتهم المتهالكة، وعلى أي مركز طبي تشتد الحاجة إليه في زمن الحرب. وهذه سابقة إجرامية مشينة تكشف مدى الازدراء الذي يشعر به من يدعون الديمقراطية والالتزام بالقانون الدولي الإنساني. كما يفضح خبث أولئك الذين يدعون الدفاع عن الحضارة ضد الهمجية، واستهتارهم بما يسمى “أخلاقيات الحرب”. كما أن اقتحام وتخريب المستشفيات يكشف عن روح آثمة فريدة لدى أحفاد عصابات الهاغاناه وشتيرن والإرغون، مثل نتنياهو وسموتريتش وكارهي وبن جفير وغيرهم من المجانين الذين يحلمون بمحو غزة بالكامل وعودة غوش قطيف.

أما الكبرى الرابعة، والتي لم تخطر على بال الشيطان نفسه، فهذه أم الكبائر بكل عارها وشرها، عندما بدأ الاحتلال الثقيل بتجريف القبور في القطاع المدمر المحاصر، في حدث غير مسبوق. في تاريخ الحروب والصراعات بين الأمم والشعوب. وذلك إشباعاً لشهوة الاحتلال للانتقام، ليس فقط من الأحياء، بل من الأموات أيضاً، واستكمالاً لمحو أي معلم يشير إلى أنه كان في يوم من الأيام، على هذه المساحة الصغيرة من الأرض، نبض الحياة، والأفراح، الأحزان والأغاني. وأظهر ذلك دولة الاحتلال وإجرامها في سباق مع نفسها، بين تلك القبور، على طريق تاريخي طويل مثقل بالمجازر الفادحة، يعود تاريخه إلى يوشع بن نون (تلميذ موسى) إلى زمن القتلة الأشرار مثل ديان، بيغن وشارون، وكذلك نتنياهو وبن جفير.

ظهرت هذه المقالة لأول مرة باللغة العربية في العربي الجديد في 11 يونيو 2024.

إقرأ أيضاً: جنود إسرائيليون يحولون مسجداً في رفح بغزة إلى “مطبخ”

الآراء الواردة في هذا المقال مملوكة للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لميدل إيست مونيتور.

شاركها.