تبرز رسالة الأمير محمد بن سلمان إلى شقيقه الإماراتي، طحنون بن زايد، كدليل دامغ على الخلاف المتصاعد بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالأنشطة المشتركة في السودان واليمن. هذه الرسالة، التي وصفت بأنها “مطولة”، حملت في طياتها قائمة مفصلة من الشكاوى السعودية، مع التأكيد في الوقت ذاته على استمرار الروابط الأخوية ورغبة المملكة في الوساطة.
## رسالة محمد بن سلمان: كشف أبعاد التوتر السعودي الإماراتي
كشفت مصادر أمريكية وغربية متعددة لـ “ميدل إيست آي” عن إرسال ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، رسالة “مطولة” إلى مستشار الأمن القومي الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد، تعبر عن امتعاض المملكة من بعض التحركات الإماراتية في السودان واليمن. جاءت هذه الرسالة قبل أسابيع قليلة، حاملةً معها تفاصيل دقيقة حول الاعتراضات السعودية، في خطوة لافتة تهدف إلى تسوية الخلافات عبر الوساطة التي يقترحها ولي العهد عبر شقيقه وزير الدفاع، الأمير خالد بن سلمان.
### قضية السودان: نقطة خلاف محور
تضمنت الرسالة تحذيراً مباشراً للشيخ طحنون، الذي يلقب بـ “الشيخ الجاسوس”، مفادها أن المملكة العربية السعودية لم تعد قادرة على “تحمل” استمرار الحرب الأهلية في السودان، خاصة في ظل الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع (RSF). هذا الموقف يعكس قلقاً سعودياً عميقاً تجاه تداعيات عدم الاستقرار في دولة مجاورة، وتأثير التدخلات الخارجية على مسار الصراع.
### اليمن: تأكيد النفوذ السعودي
أما فيما يتعلق باليمن، فقد بررت الرسالة التدخل العسكري السعودي بأنه ضروري للأمن القومي للمملكة. وتأتي هذه التأكيدات في سياق تصعيد سعودي تجاه حلفاء الإمارات الانفصاليين في جنوب اليمن، حيث قامت الرياض في ديسمبر بمهاجمة هؤلاء الحلفاء، وسعت منذ ذلك الحين إلى استبعاد الإمارات من المشهد اليمني.
أكدت الرسالة مجدداً أن المملكة العربية السعودية تعتبر اليمن منطقة نفوذ تقليدية لها، وأن لديها خططاً واضحة لتحمل “مسؤولية” التعامل مع تداعيات الحرب في هذا البلد الذي يعاني من ويلات الصراع على حدودها الجنوبية.
#### السعودية والإمارات: صراع على النفوذ
الشكاوى التي أثيرت في هذه الرسالة ليست جديدة، فقد سبق وأن تكررت في قنوات رسمية وغير رسمية. لكن الجديد هذه المرة هو إشراك الولايات المتحدة في صلب هذه الخلافات.
### الإدارة الأمريكية وسيط محتمل
مسؤولون أمريكيون وغربيون مطلّعون على فحوى الرسالة أكدوا لـ “ميدل إيست آي” عدم وجود توقيع في نهاية الرسالة، إلا أن واشنطن تقيّم أنها مرسلة من قبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
تُظهر هذه التطورات أن إدارة الرئيس ترامب، التي كانت تتخذ موقفاً هادئاً نسبياً تجاه الخلاف بين حليفيها الخليجيين، أصبحت الآن في قلب هذه المسألة. أحد المسؤولين الغربيين أشار إلى أن الإمارات ترددت في البداية عند سؤالها عن مدى استعدادها لقبول وساطة أمريكية خلف الكواليس.
وذهب المسؤول الغربي إلى أن الرسالة بدت وكأنها مكتوبة مع وضع واشنطن في الاعتبار، حيث شرحت بالتفصيل قضايا المملكة مع الإمارات، مع التأكيد في الوقت ذاته على “الروابط الأخوية” الراسخة بين البلدين.
اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علناً بوجود هذا الانقسام، وقال للصحفيين: “بالفعل لديهم شقاق”، مضيفاً أنه “يمكن تسويته بسهولة بالغة”.
أعربت الرسالة عن صدمة المملكة العربية السعودية من اعتقاد الإمارات بأن الرياض ضغطت على الولايات المتحدة لفرض عقوبات عليها. يشار إلى أن “ميدل إيست آي” كان أول من كشف عن خطط ولي العهد السعودي للضغط على الرئيس ترامب ضد الإمارات بسبب دعمها لـ RSF خلال زيارته للبيت الأبيض في نوفمبر.
وإن لم يذكر الرئيس ترامب الإمارات بالاسم، فقد أكد علناً أن السعودية طلبت منه التدخل في هذا الصراع. يرى بعض المحللين أن ضغط السعودية هذا ربما كان القشة التي قصمت ظهر البعير، وألهمت الإمارات بدعم هجوم واسع شنه الانفصاليون في اليمن في ديسمبر.
#### دور طحنون بن زايد: الوسيط المعقد
أشار ولي العهد في رسالته إلى أن قرار الإمارات بإرسال مساعدات عسكرية إلى المجلس الانتقالي الجنوبي (STC) دون موافقة الرياض كان بمثابة “خط أحمر”. وردت السعودية في أواخر ديسمبر بقصف شحنة أسلحة إماراتية في ميناء المكلا، ثم قدمت دعماً جوياً واستخباراتياً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لطرد المجلس الانتقالي.
كما انتقدت الرسالة بشدة ما وصفته بعملية سرية نفذتها الإمارات في أوائل يناير لاستخراج القيادي الانفصالي السابق، عيدروس الزبيدي، من اليمن بعد اتهامه بالخيانة العظمى.
تلقي هذه المراسلات الضوء على الدور المحوري الذي يلعبه الشيخ طحنون بن زايد كـ “مصلح” لشؤون الإمارات. يُعرف طحنون، أحد أبناء الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بشخصيته الهادئة ومرونته في التعامل مع الأزمات.
يعتبر الشيخ طحنون، بفضل عقاراته الضخمة التي تديرها شركة أبوظبي للاستثمار السيادي، وبصفته مستشار الأمن القومي، محركاً رئيسياً للدبلوماسية الإماراتية. ويصفه المسؤولون الذين التقوه بأنه أكثر براغماتية من شقيقه، وقد قاد بنفسه جهود إعادة تطبيع العلاقات بين الإمارات وقطر بعد حصار 2017.
تؤكد هذه الرسالة الخلاف العميق بين الجانبين، وتعكس مدى تعقيد إدارة هذه الأزمة التي تبدو أنها ستتطلب جهوداً عائلية مكثفة من كلا الطرفين.
### الختام
تُعد الرسالة بين الأمير محمد بن سلمان والشيخ طحنون بن زايد مؤشراً هاماً على طبيعة العلاقات السعودية الإماراتية الحالية، وتؤكد على أن الخلافات تتجاوز مجرد التنافسات الإقليمية لتصل إلى مستوى المواجهة الدبلوماسية المباشرة. مع استمرار التوترات، يبقى دور الوساطة الأمريكية والدولية ذا أهمية بالغة في محاولة احتواء هذه الأزمة ومنع تفاقمها، خاصة في ظل المنطقة المضطربة التي يعيش فيها البلدان.
