تحل هذه الأيام الذكرى الحادية والعشرون للغزو الأميركي للعراق، بنتيجته المحزنة، وهزائمه القاسية، واغترابه عن محيطه العربي (الذي تآمر عليه)، واحتضانه إيران. إحدى وعشرون سنة عجاف دمرت حضارة دولة عريقة كانت أقوى نموذج للتطور والتقدم في الوطن العربي. وفعل الأمريكان في عاصمة الخلافة الإسلامية نفس ما فعل التتار في العراق عام 1258. فدمروا دولة ذات سيادة وقتلوا وأحرقوا تراثها القديم. ولم تسلم حتى الآثار العراقية من جرائمهم، حيث أحرقوها وسرقوا ما بقي منها ونهبوا ثرواتها وأذكوا روح الطائفية البغيضة بين أهلها لإشعال نار الفتنة في البلاد. وأصبحت الطائفية الرهيبة الرمز السياسي الأبرز للنظام الجديد الذي أسسه بول بريمر، الحاكم الفعلي للعراق بعد احتلاله. لقد قال صراحة في مقابلة تلفزيونية إن الشيعة في العراق يمثلون ما يقارب 70 في المائة من السكان، ومع ذلك فإن العراق منذ تأسيسه تحكمه أقلية سنية، وأن الوقت قد حان لتصحيح هذا الخطأ وإعادة التوازن في العراق. البلد. فحوّل هذا الشخص الخبيث الماكر العراق إلى ساحة للإرهاب والاقتتال الداخلي، وأدى إلى اختفاء السلم الأهلي والوئام الاجتماعي الذي عاش في ظله العراقيون قروناً وأزمنة عديدة.
رأي: تذكر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003
لقد دمر بريمر مؤسسات الدولة العراقية، وقام بتفكيك الجيش وقوات الأمن، وتسريح ضباطها وجنودها، واستبدلهم بميليشيات شيعية رهيبة موالية لإيران. وهذا ما جعل القتل على أساس هوية المرء في بلد يمثل نموذجاً وطنياً لا تتفوق فيه إلا لغة أمة واحدة وشعب واحد، هو القاعدة. ووضع بريمر قائمة بأسماء المطلوبين من قادة الدولة العراقية من وزراء وقادة عسكريين وعلماء ليتم تصفيتهم. ومن المفجع أن يتم استهداف العلماء العراقيين بعمليات الاختطاف والقتل. وقد هاجر الكثير منهم لإنقاذ حياتهم. لكن بعضهم لم يسلم من التصفية حتى خارج العراق. والمطلوب هو أدمغة هؤلاء العلماء وأسرار صنع القنبلة النووية. كما عانت البلاد من مخلفات الحرب واليورانيوم الذي ألقته الصواريخ الأمريكية على الأرض، والذي ملأ التربة العراقية بالسموم والإشعاعات وتسبب في انتشار الأمراض بين الكثير من العراقيين.
لقد عانى الشعب العراقي من مآسي كثيرة نتيجة هذا الغزو الأمريكي الهمجي، وتفاقمت بسبب الانتهاكات اللاإنسانية التي ارتكبت في المعتقلات والسجون الأمريكية في العراق، والتي حدثت على مرأى ومسمع من وسائل الإعلام العالمية. وسجن أبو غريب شاهد على ما حدث خلال تلك المرحلة المظلمة من تاريخ العراق.
لقد دمروا كل جوانب المجتمع العراقي ليعيش الشعب في حالة من الفوضى والبؤس والفقر في بلد غني نهبه حكامه الجدد الذين جاءوا على ظهر الدبابات الأمريكية. أظهرت وثائق ويكيليكس حجم الثروة الهائلة التي راكمتها هذه العصابة التي دمرت العراق وعلى رأسها نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق. وقدرت ثروته بمئات المليارات من الدولارات في البنوك الأجنبية.
باختصار، بعد الغزو الأمريكي الهمجي ووصول تلك المجموعة الفاسدة من العراقيين الذين تربوا في الحظائر الأمريكية والإيرانية وهبطوا بالمظلات لحكم البلاد، لم يعد العراق العراق الذي عرفناه، وعرفه العالم أجمع. المعرفة والحضارة والتسامح. بل أصبحت أنقاض دولة منقسمة على ذاتها، كما أرادها أعداء الأمة، بدءاً من الصهاينة. وكان هؤلاء الأعداء يقصدون أن يتحول العراق من دولة حضارية رائدة وقائدة للأمة إلى دولة فاشلة متفككة، وهذا ما ورد في بعض التقارير الأممية.
المؤامرة الكبرى على الأمة لم تبدأ بغزو العراق في 19 مارس/آذار 2003، بل في عام 1990، عندما أعطت السفيرة الأميركية في العراق آنذاك، أبريل غلاسبي، الضوء الأخضر للرئيس العراقي، صدام حسين، لغزو العراق. الكويت، أدى غطرسته إلى وقوعه في الفخ الأمريكي الذي نصبته له وكالة المخابرات المركزية بمهارة كبيرة. وذلك للسماح للجيوش الأجنبية، ممثلة بالجيش الأمريكي، بالعودة إلى الأراضي العربية بعد أقل من نصف قرن من خروج الجيوش البريطانية والفرنسي من المنطقة العربية، وبناء على طلب حكام الخليج. وذلك بحجة حمايتهم من الوحش العراقي الذي خلقته أمريكا لنفسها، لتترسخ القوة الأمريكية في قلب أهم منطقة منتجة للطاقة في العالم.
رأي: متى ستطلب الأمم المتحدة من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة دفع تعويضات عن غزوهما غير القانوني للعراق؟
كل حكام الخليج وقعوا في الفخ الأمريكي عن علم وفتحوا خزائنهم لتصب في الخزانة الأمريكية لتخليصهم من الوحش العراقي. بدأها بوش الأب بحرب الخليج الثانية، أو ما عرف بحرب تحرير الكويت، التي دمرت الجيش العراقي بالكامل، وبدأ بعدها حصار شديد وظالم على العراق. ودمرت البنية التحتية للدولة بشكل عام والشعب العراقي. وصدر قرار أممي بحظر الطيران العراقي فوق المنطقة الكردية تمهيدا لانفصالها عن العراق، بذريعة هجوم الجيش العراقي بالأسلحة الكيماوية على الأكراد عام 1988، في مدينة حلبجة الكردية التي سيطر عليها الجيش الإيراني خلال الحرب. الأيام الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية. ورغم أن التحقيق الطبي الذي أجرته الأمم المتحدة خلص إلى استخدام غاز الخردل في الهجوم إلى جانب مهيجات أعصاب مجهولة، إلا أن بعض الدلائل أو البيانات كشفت أن الجيش الإيراني هو من استخدمه، حيث كان يحتل بلدة حلبجة في ذلك الوقت. لكنهم حملوا نظام صدام المسؤولية عن ذلك الهجوم.
ولم يكتف حكام الخليج والصهاينة بكل ما حل بالعراق من دمار وخراب، وما حل بالشعب العراقي من بؤس وظلم. وما زالوا يريدون رأس الوحش العراقي الذي ظل يطارد حياتهم ويزعج أحلامهم. اتحدت الرغبات الأميركية والخليجية للتخلص من صدام حسين نهائياً، فواصل جورج دبليو بوش ما بدأه والده جورج بوش الأب، ومن هنا بدأ الغزو الأميركي من القواعد العسكرية الأميركية في الخليج. في الوقت الذي رفضت فيه تركيا السماح باستخدام أراضيها لضرب العراق. وافقت الدول الغربية، وبدأ التقدم البري من الأراضي السعودية والكويتية، واستخدمت قناة السويس لنقل الأسلحة الأمريكية خلال الحرب على العراق.
وشنت الحرب على العراق، بعد محاولات تزوير قام بها كولن باول، وزير خارجية أمريكا آنذاك، في مجلس الأمن، ادعى فيها أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وهو ما ثبت لاحقا كذبه من خلال وثائق ويكيليكس. والوثائق المقدمة إلى مجلس العموم البريطاني أثناء استجواب توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، الذي دعم جورج دبليو بوش في حربه الظالمة ضد العراق. إن قرار هذه الحرب اتخذته الولايات المتحدة، وكان خارج إطار الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
وبعد أن تخلصت أمريكا والصهاينة ودول الخليج من صدام، أهدت أمريكا العراق لإيران على طبق من ذهب، وهو ما قاله وزير الخارجية السعودي الراحل، سعود بن فيصل، حيث حمل أمريكا مسؤولية تسليم العراق لإيران. إيران بعد انسحابها.
ومع ذلك، ليس لديكم من تلومون إلا أنفسكم. تآمرتم على العراق وأردتم التخلص من الوحش العراقي، لكنكم قابلتم بعبع الشرق الذي كان صدام يحميكم منه. لقد كنتم محاطين بإيران من العراق وسوريا ولبنان شمالاً واليمن جنوباً. هل ستكون قادرا على الهروب منه؟
لقد مضى واحد وعشرون عاماً على نكبة العراق، بل على نكبة الأمة جمعاء، التي لا تقل مأساة عن نكبة فلسطين التي آلمت الأمة وكسرتها. وكلاهما حلقة في سلسلة طويلة من النكسات التي بدأت منذ سقوط الخلافة الإسلامية وما زالت مستمرة. والله وحده يعلم متى ستنتهي وما هي المصائب والانتصارات الأخرى التي ستعيد الأمة مجدها وتزيل تلك المصائب التي يخبئها لنا القدر.
لقد مرت إحدى وعشرون سنة على الغزو الأميركي للعراق، الذي أعاد البلاد إلى العصور الوسطى. وهي ليست بعيدة عن الكارثة التي تعرضت لها أثناء الغزو التتري في 13 فبراير 1258، حيث أنهما متشابهان إلى حد كبير.
يشاهد: العيوب الخلقية نتيجة الحرب: MEMO في محادثة مع كالي الرباعي
الآراء الواردة في هذا المقال مملوكة للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لميدل إيست مونيتور.
