تفاقمت الأوضاع في إيران مع استمرار الاحتجاجات التي اندلعت في البداية بسبب تدهور قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم، لتتحول إلى تعبير عن غضب شعبي أوسع نطاقاً. تشير التقارير الأخيرة إلى سقوط عشرات القتلى واعتقال الآلاف خلال الأيام التسعة الأولى من المظاهرات، مما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الاستقرار في البلاد. رغم أن هذه الاحتجاجات لا تزال أصغر حجماً من تلك التي شهدتها إيران في عامي 2022-2023 عقب وفاة مهسا أميني، إلا أنها تعكس استياءً متزايداً يتجاوز المطالب الاقتصادية.
تطورات الاحتجاجات وأرقام الضحايا والمعتقلين
بدأت الاحتجاجات في الأسواق التقليدية بطهران، وسرعان ما امتدت إلى مدن أخرى في غرب وجنوب إيران. وتعتبر الأرقام الرسمية غير متوفرة حتى الآن، لكن منظمات حقوقية رصدت ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الضحايا. فقد أكدت منظمة “هينغاو” الكردية الإيرانية مقتل 25 شخصاً، بينهم أربعة قاصرين، بالإضافة إلى اعتقال أكثر من 1000 شخص.
من جهتها، ذكرت شبكة “HRANA” لمراقبة حقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 29 شخصاً، بينهم اثنان من أفراد الأمن، بالإضافة إلى 1203 معتقلين حتى الخامس من يناير. ولم تتمكن “رويترز” من التحقق بشكل مستقل من هذه الأرقام. بينما لم يصدر أي بيان رسمي من السلطات الإيرانية حول عدد القتلى من المتظاهرين، فقد أشارت إلى مقتل اثنين من أفراد الأمن وإصابة أكثر من عشرة.
ردود فعل السلطات الإيرانية وتصعيد الخطاب
أعلنت السلطات الإيرانية أنها تميز بين المتظاهرين و “المخربين”، وأنها تتعامل بقوة مع هؤلاء المخربين، وتقوم باعتقالهم سواء أثناء الاحتجاجات أو بعد تحديد هويتهم من خلال وحدات المخابرات. صرح قائد الشرطة الإيرانية، أحمد رضا رادان، بأنهم “سيواجهون آخر المخربين” وحثّ “المنخدعين من قبل جهات خارجية” على الإدلاء بأنفسهم والاستفادة من “عظمة الجمهورية الإسلامية”.
وفي ذات الوقت، تعهد المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، بأنه لن “يستسلم للعدو”. تأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، بما في ذلك التهديدات الأمريكية بالتدخل في حال استخدام القوة ضد المتظاهرين. الوضع الاقتصادي الهش يساهم في تأجيج هذه الاحتجاجات، ويجعل من أي تدخل أمني إضافي أمراً خطيراً.
الأسباب الجذرية للاحتجاجات: تدهور اقتصادي وغضب شعبي
السبب المباشر للاحتجاجات هو الانهيار المستمر في قيمة الريال الإيراني، وارتفاع معدلات التضخم بشكل غير مسبوق. وقد انخفض سعر الريال إلى 1489500 مقابل الدولار يوم الثلاثاء الماضي، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 4٪ منذ بدء الاحتجاجات. هذا التدهور الاقتصادي يؤثر بشكل كبير على القدرة الشرائية للمواطنين، ويزيد من صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية.
ولكن، تتجاوز الاحتجاجات المطالب الاقتصادية البحتة، لتشمل انتقادات حادة للحكم والفساد والمطالبة بالعدالة. تشير التقارير إلى أن المتظاهرين يرفعون شعارات ضد النظام الديني الحاكم، مما يعكس استياءً عميقاً من الأوضاع السياسية والاجتماعية. هذا الاستياء المتراكم هو نتيجة سنوات من القيود السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى الشعور بالتهميش والإقصاء.
مبادرات حكومية للتهدئة وخطط الإصلاح
في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، أعلنت الحكومة الإيرانية عن سلسلة من الإجراءات الإصلاحية تهدف إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية. وشملت هذه الإجراءات إلغاء أسعار صرف العملات التفصيلية للمستوردين واستبدالها بتحويلات مباشرة إلى المواطنين بهدف تعزيز قدرتهم الشرائية على السلع الأساسية. من المقرر أن يتم تطبيق هذا الإجراء في العاشر من يناير.
بالإضافة إلى ذلك، تم تغيير رئيس البنك المركزي في 29 ديسمبر الماضي. كما قام الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بدعوة إلى الحوار وتعهد بإصلاح النظام النقدي والمصرفي. ومع ذلك، يرى البعض أن هذه الإجراءات غير كافية لمعالجة الأسباب الجذرية للاحتجاجات، وأنها قد لا تلقى ثقة الشعب. الوضع الاقتصادي يتطلب حلولاً جذرية وشاملة، وليس مجرد إجراءات تجميلية. إجراءات السياسة النقدية تلعب دوراً هاماً في هذه المرحلة.
التحديات المستقبلية و السيناريوهات المحتملة
من الواضح أن إيران تواجه تحديات كبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي. الاحتجاجات المستمرة، والتدهور الاقتصادي، والضغوط الدولية، كلها عوامل تزيد من تعقيد الأوضاع. من الصعب التنبؤ بالمسار الذي ستسلكه الأمور في المستقبل، ولكن هناك عدة سيناريوهات محتملة.
قد تتمكن الحكومة من احتواء الاحتجاجات من خلال استخدام القمع وتطبيق إجراءات إصلاحية محدودة. ولكن هذا السيناريو قد يؤدي إلى تفاقم الغضب الشعبي وزيادة خطر اندلاع المزيد من المظاهرات في المستقبل. سيناريو آخر هو أن تتوسع الاحتجاجات وتتحول إلى حركة شعبية واسعة النطاق تطالب بتغيير جذري في النظام. قد يؤدي هذا السيناريو إلى أزمة سياسية واقتصادية عميقة، وقد يشمل تدخلات خارجية.
في الختام، تتطلب الأزمة الحالية في إيران حلاً شاملاً يتناول الأسباب الجذرية للاحتجاجات، ويوفر فرصاً حقيقية للتغيير والإصلاح. من الضروري إجراء حوار وطني جاد، وإطلاق سراح المعتقلين، واحترام حقوق الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة أن تتخذ إجراءات جذرية لتحسين الأوضاع الاقتصادية، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والمساءلة. مستقبل إيران يعتمد على قدرة قادتها على الاستماع إلى مطالب الشعب والاستجابة لها بشكل فعال.
