في خطوة تاريخية ومفاجئة، أصدر الرئيس السوري أحمد الشراعا مرسوماً رئسياً يهدف إلى تعزيز حقوق السوريين من أصل كردي، وذلك بعد فترة طويلة من التهميش والتوترات. يأتي هذا القرار في أعقاب اشتباكات عنيفة شهدتها مدينة حلب شمال البلاد، مسلطاً الضوء على الحاجة الملحة إلى معالجة قضايا حقوق الأكراد في سوريا وتحقيق الاستقرار.
مرسوم رئاسي يغير قواعد اللعبة: اعتراف باللغة والمواطنة
المرسوم الجديد، الذي نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا) يوم الجمعة، يمثل تحولاً كبيراً في السياسة السورية تجاه الأقلية الكردية. لأول مرة، يتم الاعتراف بالهوية الكردية كجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري. ويتضمن الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية رسمية إلى جانب اللغة العربية، مما يفتح الباب أمام تدريسها في المدارس واستخدامها في المؤسسات الحكومية.
استعادة الحقوق المسلوبة
أحد أهم جوانب المرسوم هو إلغاء الإجراءات التي اتخذت بموجب إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، والذي أدى إلى تجريد العديد من الأكراد من الجنسية السورية وتسجيلهم كـ “عديمي الجنسية”. يمنح المرسوم الجنسية السورية لجميع السكان المتضررين، بمن فيهم أولئك الذين تم تسجيلهم سابقاً كلاجئين أو عديمي الجنسية. هذه الخطوة تعتبر تصحيحاً تاريخياً لظلم طال أمده.
خلفية الاشتباكات في حلب وأثرها على القرار
لم يكن هذا المرسوم وليد اللحظة، بل جاء في سياق الأحداث المتسارعة التي تشهدها سوريا، وخاصة الاشتباكات الأخيرة في حلب. أسفرت هذه الاشتباكات، التي اندلعت الأسبوع الماضي، عن مقتل ما لا يقل عن 23 شخصاً وإجبار أكثر من 150 ألف شخص على الفرار من الجيوب الكردية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في المدينة.
انسحاب مقاتلي قسد من مناطق الاشتباك أنهى العنف، لكنه كشف عن عمق الانقسامات في سوريا. فالرئيس الشراعا، الذي يسعى إلى توحيد البلاد بعد 14 عاماً من الحرب، يواجه مقاومة من القوات الكردية التي تشكك في نوايا حكومته ذات التوجه الإسلامي. هذا التشكك يعكس مخاوف تاريخية لدى الأكراد بشأن الحفاظ على هويتهم وثقافتهم وحقوقهم في سوريا. الوضع في شمال سوريا معقد للغاية ويتطلب حلولاً شاملة ومستدامة.
اعتراف بالنوروز كعيد وطني ومكافحة التمييز
بالإضافة إلى الاعتراف باللغة والمواطنة، يتضمن المرسوم إعلاناً بعيد النوروز، وهو الاحتفال بالربيع والبدايات الجديدة، عطلة وطنية مدفوعة الأجر. يعتبر النوروز عيداً هاماً لدى الأكراد، وإعلانه عطلة رسمية يمثل خطوة رمزية مهمة نحو الاعتراف بثقافتهم وتقاليدهم.
كما يحظر المرسوم أي شكل من أشكال التمييز العرقي أو اللغوي، ويلزم المؤسسات الحكومية بتبني رسائل وطنية شاملة، ويحدد عقوبات على التحريض على الفتنة العرقية. تهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز الوحدة الوطنية والتسامح بين جميع المكونات السورية.
مفاوضات دامت شهوراً ومستقبل غير واضح
من الجدير بالذكر أن الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) قد انخرطتا في عدة أشهر من المفاوضات العام الماضي بهدف دمج الهيئات العسكرية والمدنية التي تديرها الأكراد في المؤسسات الحكومية السورية بحلول نهاية عام 2025. المفاوضات السورية الكردية لم تحقق حتى الآن تقدماً كبيراً، ولا يزال مستقبل هذه العملية غير واضح.
ومع ذلك، فإن المرسوم الجديد يمكن اعتباره خطوة إيجابية نحو بناء الثقة وتعزيز الحوار بين الطرفين. يبقى أن نرى ما إذا كان هذا المرسوم سيؤدي إلى تحقيق الاستقرار والازدهار في سوريا، وما إذا كان سيساهم في حل قضايا الأكراد بشكل دائم وشامل.
الخلاصة: بداية جديدة أم مجرد خطوة تكتيكية؟
يمثل المرسوم الرئاسي الأخير بشأن حقوق الأكراد في سوريا تطوراً هاماً يستحق المتابعة. فهو يمثل اعترافاً تاريخياً بالهوية الكردية واللغة الكردية، ويعالج بعض المظالم التي تعرض لها الأكراد على مر السنين. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المرسوم يعتمد على تنفيذه الفعلي وعلى استمرار الحوار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.
هل هذه بداية جديدة لعلاقة أكثر توازناً واحتراماً بين الحكومة السورية والأكراد؟ أم أنها مجرد خطوة تكتيكية تهدف إلى احتواء التوترات في حلب وشمال سوريا؟ الإجابة على هذا السؤال ستتضح في الأشهر والسنوات القادمة. نأمل أن يكون هذا المرسوم بمثابة نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل لجميع السوريين، بغض النظر عن عرقهم أو لغتهم أو دينهم. شارك برأيك حول هذا التطور الهام في قسم التعليقات أدناه.
