في 23 يوليو/تموز، سهّلت الصين التوصل إلى اتفاق “الوحدة الوطنية” بين حماس وفتح و12 فصيلاً فلسطينياً آخر. وقد تم التوصل إلى الاتفاق بعد مفاوضات مكثفة في بكين. وهذه هي المرة الثانية التي تتوسط فيها الصين في اتفاق مهم بين الأطراف المتصارعة في الشرق الأوسط، بعد رعايتها لاتفاقية التطبيع بين إيران والمملكة العربية السعودية في مارس/آذار 2023.
الصين تستضيف الفصائل الفلسطينية للتوصل إلى حل
لقد قلل العديد من المنابر والمعلقين الغربيين من أهمية مبادرة الصين، واعتبروها متماشية مع موقف الصين من الحرب الإسرائيلية على غزة باعتبارها “هدفا لتسجيل نقاط ضد الولايات المتحدة”. ويشككون في جدية نوايا الصين، ويشيرون إلى غياب آلية واضحة لضمان تنفيذ الاتفاق أو ضمان التزام الأطراف المعنية به.
ومن منظور إقليمي، يُنظَر إلى الصين على نحو متزايد باعتبارها قوة استقرار من أجل السلام، على النقيض من القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة، التي تواجه حالياً أسوأ صورة لها في تاريخها الحديث. ويرى كثيرون في المنطقة أن الولايات المتحدة وعدد قليل من الدول الغربية الأخرى دول متعطشة للحرب ومتعطشة للدماء، وخاصة في ضوء دعمها للحرب التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين.
يقرأ: إسرائيل تنتقد فتح لتوقيعها على اتفاق الوحدة الذي توسطت فيه الصين مع حماس
إن استضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو سياسي إسرائيلي فاسد ومتطرف يتمسك بالسلطة منذ ما يقرب من 18 عامًا – متهم بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، إلى جانب طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرة اعتقال ضده بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية – يعزز هذا التصور. إن التصفيق لزعيم دولة متهمة بممارسات الفصل العنصري ضد الفلسطينيين في الكونجرس الأمريكي 50 مرة خلال خطاب أكاذيب دام 56 دقيقة استحضر مقارنات بينه وبين هتلر.
في السنوات الأخيرة، حاولت العديد من الدول سد الفجوة بين الفصائل الفلسطينية وتشجيع المصالحة. وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاقات متعددة، إلا أن أياً منها لم يثبت نجاحه. ويعتقد بعض المراقبين أن جهود المصالحة الحالية أكثر أهمية من أي محاولات سابقة. ويزعمون أن الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل وحدت الفلسطينيين، خاصة وأن بعض الفصائل أدركت أن الصراع الإسرائيلي ليس ضد فصيل منافس فحسب، بل ضد الشعب الفلسطيني ككل.
على سبيل المثال، بينما تزعم إسرائيل أنها تقاتل حماس في غزة، قُتل عدد أكبر من الأطفال الفلسطينيين على يد الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة الغربية خلال الأشهر التسعة الماضية مقارنة بالعقود الماضية. وفي شهر يوليو/تموز وحده، استولت إسرائيل على أراض فلسطينية وضمتها، مما يمثل أكبر عملية استيلاء على مثل هذه الأراضي في 30 عامًا. ومنذ بداية الحرب على غزة، سارعت إسرائيل إلى بناء المستوطنات في القدس الشرقية. بالإضافة إلى ذلك، أقر الكنيست الإسرائيلي قرارًا يعارض حل الدولتين، مما يجعل السياسة التي تم اتباعها ضمناً لعقود رسمية وعلنية لأول مرة.
ماذا يعني الاتفاق بين الفصائل الفلسطينية؟
إن كل هذا يشير إلى أن أي فلسطيني لا يستطيع أن يزعم الآن أن إسرائيل كانت تريد السلام أو تريد السلام أو ستريده على الإطلاق. فالمجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك نخبته ومؤسسته وجيشه، متحد في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين. وهذا يشكل دافعاً قوياً للفصائل الفلسطينية للسعي إلى الوحدة. فضلاً عن ذلك فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يفتقر إلى الشعبية في فلسطين. ولفترة طويلة كانت إسرائيل تنظر إليه وإلى حزبه باعتبارهما خط الدفاع الأول.
ولكي يحمي نفسه من التداعيات الداخلية للصراع الإسرائيلي والعودة المحتملة لدونالد ترامب إلى البيت الأبيض، شعر عباس بأنه مضطر إلى الموافقة على شروط الاتفاقيات المختلفة. أما بالنسبة لحسابات حماس، فهي تسعى إلى تعزيز شرعيتها الداخلية ومنع أي سيناريوهات ما بعد الحرب التي قد تخدم مصلحة إسرائيل من خلال تحريض الفلسطينيين ضد بعضهم البعض.
يقرأ: وزير الخارجية الصيني: فلسطين هي جوهر قضايا الشرق الأوسط
إن الاتفاق يخدم مصالح جميع الأطراف المعنية، ولكنه لا يزال يضع قرار بدء العملية في أيدي عباس، مما يثير تساؤلات حول التزامه بهذا المسعى. ويعتقد بعض المراقبين أن لا شيء جوهري سيتغير نتيجة لهذا الاتفاق، ويعربون عن مخاوفهم بشأن عدم وجود ضمانات بأن محمود عباس سيفي بوعوده. ومع ذلك، يرى آخرون أن هذا الاتفاق يمثل مرحلة جديدة مهمة في النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي والحرب الإبادة الجماعية المستمرة.
إن كيفية تموضع القوى الإقليمية أمر مهم
وعلى المستوى التكتيكي، من شأن الاتفاق أن يتحدى محاولات إسرائيل فرض سيطرتها على غزة بعد الحرب. وعلى المستوى الاستراتيجي، يمثل الاتفاق خطوة أخرى نحو الاستقلال والتحرر من الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي. ومع ذلك، فإن بعض القوى الإقليمية والدولية لديها رأي آخر في هذا الشأن. فلا تسعى إسرائيل ولا إيران إلى حل للقضية الفلسطينية، حيث يواصل كل منهما استغلالها من أجل النفوذ والزعامة. وبالنسبة لإسرائيل، فإن الحفاظ على المشكلة يضمن الدعم الثابت من الولايات المتحدة وألمانيا وعدد قليل من الدول الغربية الأخرى باسم الضحية. وبالنسبة لإيران، فإن القضية الفلسطينية بمثابة بوابة لحشد الجماهير العربية وبالتالي تأكيد الهيمنة في المنطقة.
إن الحكومات العربية ليست موحدة في وجهات نظرها بشأن اليوم التالي للحرب على غزة. ونظراً لانقساماتها وضعفها وعجزها واعتمادها على الولايات المتحدة، فإنها تجد نفسها محاصرة بين جهود إيران لكسب النفوذ والدعم الشعبي من خلال القضية الفلسطينية، ومناشدة إسرائيل المستمرة للدعم الغربي لمواصلة حربها ضد الفلسطينيين. ويثير هذا الوضع مخاوف الحكومات العربية، لأنه قد يؤدي إلى ردود فعل عنيفة في الداخل أو تقويض شرعيتها.
إن الحل معروف جيداً: أي شيء أقل من دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقادرة من شأنه أن يبقي المنطقة بأسرها تدور في نفس الحلقة المفرغة، وينبغي النظر إليه على أنه مجرد تكتيك مماطلة يسمح لإسرائيل بتعزيز جهودها الاستعمارية ــ وخاصة بعد رفض الكنيست الواضح لحل الدولتين.
إن التحدي النهائي الذي يواجه الدولة الفلسطينية كان دائما الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والاستخباراتي والأيديولوجي الأميركي غير المسبوق وغير المشروط لإسرائيل. ولا يوجد ما يشير إلى أن هذا الواقع سوف يتغير بشكل كبير في الأمد القريب في ضوء الديناميكيات الإقليمية والدولية الحالية. ومع ذلك، وفي ضوء ردود الفعل الدولية المتزايدة، والتآكل المستمر للنظام الدولي، وتقويض المنظمات الدولية بشكل علني، وتعطيل القانون الدولي، والتلاعب بوسائل الإعلام لخدمة المصالح الإسرائيلية، فإن الوضع أصبح غير قابل للاستمرار لكل من إسرائيل والولايات المتحدة.
يقرأ: الفلسطينيون يرحبون باتفاق المصالحة الجديد وسط معارضة إسرائيلية
الآراء الواردة في هذه المقالة تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع ميدل إيست مونيتور.
