جدل مجندين إسرائيليين في بني براك: تصاعد التوترات بين الحريديم والجيش
شهدت مدينة بني براك بالقرب من تل أبيب حادثة مثيرة للجدل، حيث اضطرت جنديتان إسرائيليتان إلى طلب الإنقاذ بعد مطاردتهما من قبل حشد غاضب من الرجال المتشددين دينياً. تؤكد هذه الحادثة على الانقسامات العميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بالخدمة العسكرية الإلزامية، والتي تفاقمت بسبب الوضع الحالي في غزة.
مشهد مطاردة في شوارع بني براك
تُظهر لقطات الفيديو المتداولة جنديتين تجريان بصعوبة عبر شوارع تعمها الفوضى وتناثر القمامة، محاطتين بالحراس بينما يلاحقهما حشد من الرجال بملابس سوداء وبيضاء. هؤلاء الرجال ينتمون إلى الطائفة الحريدية، المعروفة برفضها للخدمة العسكرية.
ووفقاً لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، كانت الجنديتان، وهما قائدتا فرقة في سلاح التعليم والشباب، في زيارة رسمية لمنزل مجند شاب على وشك الانضمام إلى وحدتهما. إلا أن هذه الزيارة تحولت إلى مواجهة عنيفة، مما سلط الضوء على تصاعد التوتر بين هذه الفئة من المجتمع والجيش الإسرائيلي.
المجتمع الإسرائيلي المنقسم: جدل التجنيد
تُعد هذه الحادثة انعكاساً للانقسام المجتمعي الحاد في إسرائيل، والذي اشتعل بشكل متزايد مع الحرب في غزة والحاجة الملحة للتجنيد. يشعر الإسرائيليون العلمانيون، وخاصة على اليسار واليمين، بضرورة إجبار المتشددين دينياً على الخدمة في الجيش أسوة بباقي المواطنين اليهود.
يشكل الحريديم حوالي 15% من السكان اليهود في إسرائيل، وهم من أسرع المجموعات السكانية نمواً. تاريخياً، رفضوا الخدمة العسكرية، واعتمد الكثير منهم على الإعانات الحكومية للتفرغ لدراسة النصوص الدينية.
خلفيات تاريخية وقانونية
لم تكن قضية تجنيد الحريديم وليدة اليوم. فمنذ تأسيس الدولة عام 1948، منح رئيس الوزراء الأول ديفيد بن غوريون إعفاءً للرجال المتشددين دينياً، لكن هذا الإعفاء لم يُكرس قانونياً. بدأت النقاشات العامة حول القضية في السبعينيات، وشهدت محاولات عديدة، باءت جميعها بالفشل، لإدراجها في القانون.
مع بدء الحرب في غزة وتجنيد مئات الآلاف من الإسرائيليين، اشتدت حدة النقاش حول إعفاء المتشددين دينياً. فشلت حكومة بنيامين نتنياهو في تثبيت الإعفاء قانونياً بسبب المعارضة الشعبية الواسعة، حتى داخل ائتلافه الحاكم.
ردود فعل متباينة
صرح نتنياهو على منصة “X” بأن هذه الحادثة تمثل “قلة متطرفة لا تمثل مجتمع الحريديم بأكمله”. وأضاف: “لن نسمح بالفوضى، ولن نتسامح مع أي أذى لجنود الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن الذين يؤدون واجباتهم بتفانٍ وإصرار.”
مع ذلك، أظهرت لقطات من المواجهة دعماً واسعاً من السكان المحليين للحريديم، حيث صُوّروا وهم يقلبون سيارة شرطة وسط تصفيق واحتشاد. وأسفرت المواجهات عن إصابة ثلاثة من رجال الشرطة الإسرائيليين.
قرارات المحكمة العليا وتصاعد المعارضة
في يونيو 2024، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً بإمكانية تجنيد الحريديم، مما أدى إلى تصاعد المعارضة الشديدة من هذه الطائفة. هذا القرار وضع ضغوطاً إضافية على حكومة نتنياهو، التي تضم أحزاباً تمثل المجتمع الحريدي مثل “يهدوت هتوراه” و “شاس”.
كانت هذه الأحزاب قد “استقالت جزئياً” من الائتلاف الحاكم سابقاً بسبب التوترات حول قضية التجنيد. وتجدر الإشارة إلى أن هناك مجموعات أخرى مثل “نتوري كارتا” ترفض أي دور في الدولة الإسرائيلية على الإطلاق.
الخلاصة
تُظهر حادثة بني براك ومدى تعقيد قضية تجنيد الحريديم في المجتمع الإسرائيلي. إنها ليست مجرد مسألة عسكرية، بل هي قضية هوية، ودين، ومستقبل الدولة. الانقسامات المتزايدة تثير مخاوف جدية حول تماسك المجتمع الإسرائيلي، خاصة في ظل الظروف الإقليمية المتوترة. يبقى مستقبل هذه القضية مرهوناً بالقرارات السياسية والاجتماعية والفقهية التي ستتخذها إسرائيل في الأيام القادمة.
