أفاد مكتب الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يوم الاثنين، بأن ما يقرب من 65,000 مدني نزحوا من منطقة كردفان بجنوب السودان على مدار الأشهر الثلاثة الماضية، وذلك بسبب تصاعد حالة انعدام الأمن. هذه الأزمة الإنسانية المتفاقمة تضع البلاد على مفترق طرق، وتزيد من تعقيد الوضع الذي تشهده منذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023. سنلقي الضوء في هذا المقال على تفاصيل هذا النزوح، وأسبابه، والأطراف المتورطة، والدور الإقليمي المثير للجدل في دعم أحد طرفي الصراع، مع التركيز على النزوح في السودان وتأثيره المدمر.
تصاعد النزوح في كردفان وارتفاع أعداد اللاجئين
ذكرت المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، التابعة للأمم المتحدة، في بيان لها، أن 56 حادثة نزوح حدثت بين 25 أكتوبر وديسمبر 2025، شملت 17 في شمال كردفان، و 38 في جنوب كردفان، وواحدة في غرب كردفان، مما أثر على حوالي 64,890 شخصًا. وتعتبر هذه الأرقام أولية وقابلة للتغيير نظراً لاستمرار الوضع الأمني المتردي.
ووفقاً للبيان، فرّ أكثر من 42,000 شخص من شمال كردفان، بينما نزح حوالي 21,860 شخصًا من جنوب كردفان، و250 شخصًا من منطقة جيبايش في غرب كردفان. هذا النزوح يؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية للمدنيين ويزيد من الضغط على الموارد المحدودة في المناطق المستضيفة.
السودان: حرب أهلية واسعة النطاق وتداعيات كارثية
تأتي هذه الموجة من النزوح في سياق حرب أهلية أشعلت فتيلها في أبريل 2023، عندما اندلعت التوترات بين قوات الدعم السريع (RSF) والجيش السوداني (SAF). حتى الآن، وصل عدد النازحين إلى حوالي 13 مليون شخص، مما يجعل السودان واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.
السيطرة على الأرض تتقاسمها حاليًا قوات الدعم السريع، التي تسيطر على خمس ولايات في منطقة دارفور، بينما يواصل الجيش السوداني السيطرة على الولايات الـ 13 المتبقية في الجنوب والشمال والشرق والوسط، بما في ذلك العاصمة الخرطوم. هذا التقسيم الجغرافي يعكس عمق الانقسام بين الطرفين المتنازعين واستمرار العنف.
جذور الصراع: من الإطاحة بالبشير إلى الحرب الأهلية
يعود تاريخ التنافس بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني إلى عام 2019، عندما تعاونا للإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير الذي حكم البلاد لمدة 30 عامًا. ومع ذلك، لم تدم هذه الشراكة طويلاً، إذ ظهرت خلافات عميقة حول مستقبل البلاد وتنظيم القوات المسلحة.
هذه الخلافات تصاعدت تدريجياً، وبلغت ذروتها في اندلاع القتال العنيف في أبريل 2023. الصراع ليس مجرد حرب على السلطة، بل هو أيضًا صراع على الموارد والهوية، حيث تتهم كل الأطراف الأخرى بالهدف إلى تقويض الأمن والاستقرار في السودان.
اتهامات بالجرائم ضد الإنسانية ودور الإمارات العربية المتحدة
تتعرض قوات الدعم السريع لاتهامات واسعة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما في ذلك عمليات القتل الجماعي في الفاشر في نوفمبر الماضي. كما تم اتهام الإمارات العربية المتحدة بدعم قوات الدعم السريع عسكرياً، حيث تُعتبر المورد الرئيسي للأسلحة لهذه القوات.
ويزعم مراقبون حقوقيون والحكومة السودانية أن أبوظبي متورطة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من خلال دعمها العسكري لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان “هميدتي” دقلو. هميدتي، الذي تقدر ثروته بحوالي 7 مليارات دولار في عام 2023، لديه علاقات مالية وثيقة مع الإمارات، التي يُقال إنها تدعم المجموعة في انتهاك لحظر توريد الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة.
شبكات الإمداد بالأسلحة والاهتمامات الاقتصادية
تُتهم الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة من خلال شبكة معقدة من خطوط الإمداد والتحالفات عبر دول الجوار مثل ليبيا وتشاد وأوغندا والمناطق المنفصلة في الصومال. في مايو 2025، كشفت منظمة العفو الدولية أن الإمارات كانت ترسل أسلحة صينية متطورة إلى دارفور.
وبعيدًا عن الجانب العسكري، يُعتقد أن أبوظبي لديها مصالح كبيرة في الموارد الطبيعية للسودان، وخاصةً الزراعية والمعادن، والكثير منها لم يتم استغلاله بعد، بما في ذلك الذهب. وقد أصبحت الإمارات مركزًا عالميًا لتجارة الذهب، في محاولة لتنويع اقتصادها الذي يعتمد على النفط. هذه الموارد الطبيعية تعتبر محركًا أساسيًا للصراع الدائر في البلاد.
الوضع الإنساني المتردي وبحثاً عن حلول
الوضع الإنساني في السودان يزداد تدهوراً يوماً بعد يوم، حيث يواجه المدنيون نقصًا حادًا في الغذاء والدواء والمياه النظيفة. النزوح المستمر يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية ويؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية للمتضررين. هناك حاجة ماسة إلى تدخل عاجل من المجتمع الدولي لتقديم المساعدة الإنسانية وحماية المدنيين. كما أن هناك ضرورة ملحة للضغط على الأطراف المتنازعة للعودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى حل سياسي ينهي هذه الحرب المدمرة. إيجاد حلول دائمة لـ الأزمة في السودان يتطلب معالجة الجذور العميقة للصراع، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وضمان توزيع عادل للموارد.
ومع ازدياد أزمة اللاجئين السودانيين وتصاعد وتيرة التهجير القسري، يجب على المجتمع الدولي تكثيف جهوده لإيجاد حلول مستدامة تضمن سلامة وكرامة الشعب السوداني.
