في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها قطاع غزة، ومع ندرة السيولة النقدية وتلف الأوراق المالية المتداولة، تبرز قصص إنسانية ملهمة. إحياء الأوراق النقدية التالفة أصبح ضرورة ملحة، وهنا تأتي قصة منال السعداني، التي تحول ورش عملها المتنقلة إلى منقذة لـ إصلاح الأوراق النقدية في غزة. فهي تعيد الحياة إلى الأوراق المتضررة مقابل بضعة شواكل، لتخفف بذلك عن كاهل المواطنين.
أزمة السيولة في غزة وتصاعد الحاجة لإصلاح الأوراق النقدية
تعاني غزة من أزمة حقيقية في السيولة النقدية، تفاقمت بشكل كبير منذ بداية الحرب الإسرائيلية الفلسطينية في أكتوبر 2023. الحصار المستمر أدى إلى نقص حاد في الإمدادات الأساسية، بما في ذلك الأوراق النقدية الجديدة. نتيجة لذلك، أصبحت الأوراق النقدية المتداولة مهترئة ومتضررة بشكل كبير، مما يرفضها الكثير من التجار والمتاجر. هذا الوضع دفع الكثيرين للبحث عن حلول بديلة، وظهرت الحاجة الماسة إلى خدمات إصلاح الأوراق النقدية.
تدهور حالة الشيكل الإسرائيلي وتأثيره على السكان
الشيكل الإسرائيلي هو العملة المستخدمة في جميع الأراضي الفلسطينية. مع مرور الوقت، تتدهور حالة الأوراق النقدية بسبب الاستخدام المتكرر والظروف المناخية القاسية. الأوراق التالفة غالباً ما تُرفض من قبل البائعين، مما يسبب إزعاجاً كبيراً للمواطنين الذين يجدون صعوبة في إتمام معاملاتهم اليومية. هذا الأمر يضعهم أمام خيارين: إما التخلي عن المبلغ التالف، أو اللجوء إلى خدمات مثل خدمة منال السعداني.
منال السعداني: بلمسة فنانة تعيد الحياة للأوراق النقدية
منال السعداني، امرأة فلسطينية من مخيم البريج للاجئين، اتخذت من إصلاح الأوراق النقدية مهنة لها. تقوم منال يومياً بنقل طاولتها البلاستيكية الصغيرة مسافة بضعة كيلومترات إلى سوق مخيم النصيرات في وسط قطاع غزة. هناك، تستقبل الزبائن الذين يحملون أوراقاً نقدية تالفة من فئات مختلفة.
عملية الإصلاح: مهارة ودقة متناهية
تستخدم منال شفرة حلاقة دقيقة وكمية صغيرة من الغراء لإصلاح التمزقات والشقوق في الأوراق النقدية. تعمل على سطح زجاجي أملس، وتستخدم أطراف أصابعها لتوزيع الغراء وتنعيم السطح. تفحص الأوراق النقدية بعناية شديدة تحت الضوء، للتأكد من أن عملية الإصلاح تتم بشكل مثالي. كما تقوم باستعادة الألوان الأصلية للأوراق النقدية، لإضفاء مظهر جديد عليها.
“أريد أن أكون مع بناتي” – قصة كفاح وراء الإصلاح
على الرغم من أن منال تجد في هذا العمل مصدر دخلها الوحيد، إلا أنها تتمنى لو كانت قادرة على البقاء في المنزل مع بناتها. “أتمنى أن يروا بي رحمة وفهماً، أنا أم فلسطينية”، تقول منال بصوت يملؤه الحزن. “أنا متعبة جداً”. لكنها تواصل العمل، مدفوعة بمسؤوليتها تجاه أسرتها ورغبتها في مساعدة الآخرين. تتقاضى منال بضعة شواقل مقابل إصلاح كل ورقة نقدية، وهو مبلغ زهيد مقارنة بالجهد والوقت الذي تبذله.
شهادات من المستفيدين: “بدون هذا الإصلاح، لا نستطيع الشراء”
نبيلا شنار، إحدى زبائن منال، تشرح كيف أن الأوراق النقدية التالفة تعيق حياتهم اليومية. “معظم الأموال متضررة”، تقول نبيلا. “إذا حاولنا استخدام هذه الأموال لشراء أي شيء من أي متجر بقالة، فإنهم يخبروننا أنها تالفة وغير قابلة للاستخدام”. لذلك، اضطررنا إلى اللجوء إلى الأشخاص الذين يقومون بإصلاح الأموال مقابل شيكلين للأوراق النقدية من فئة 20 شيكل، وثلاثة شواكل للأوراق النقدية من فئة 50 شيكل. نحن بحاجة إلى إيجاد حل لهذه المشكلة وتوفير المال لنا حتى نتمكن من العيش وشراء ما نحتاجه، ولكن بسبب هذه الأوراق النقدية التالفة لا يمكننا شراء أي شيء.”
مستقبل الأوراق النقدية في غزة: الحاجة إلى حلول جذرية
إن قصة منال السعداني هي مجرد مثال واحد على التحديات التي يواجهها سكان غزة. إصلاح الأوراق النقدية هو حل مؤقت، ولكنه ضروري في ظل الظروف الحالية. ومع ذلك، فإن الحل الجذري يكمن في توفير إمدادات كافية من الأوراق النقدية الجديدة، ورفع الحصار المفروض على القطاع. يجب على الجهات المعنية العمل على إيجاد حلول مستدامة لضمان استقرار الوضع الاقتصادي في غزة، وتخفيف المعاناة عن سكانها. بالإضافة إلى ذلك، يمكن البحث عن بدائل رقمية للدفع لتخفيف الاعتماد على النقد.
