احتقان سياسي واقتصادي في إيران: مظاهرات في ذكرى الاحتجاجات وتصاعد التوترات مع أمريكا

شهدت جامعات إيرانية يوم الأحد تجمع طلابي متجدد، حيث أحيا الطلاب ذكرى الضحايا الذين سقطوا في الاحتجاجات الأخيرة، وسط مخاوف متنامية من تجدد الصراع مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي لطهران. بدأت المظاهرات الأولية في ديسمبر بسبب المصاعب الاقتصادية في بلد يعاني من العقوبات، لكنها سرعان ما تحولت إلى احتجاجات جماهيرية شعبية ضد الحكومة، مشكلةً واحدة من أكبر التحديات التي واجهت القيادة الدينية في الجمهورية الإسلامية منذ سنوات.

جذور الاحتجاجات وتطوراتها

في البداية، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دعمه للمتظاهرين، مهدداً بالتدخل لصالحهم مع بدء السلطات حملة قمع دامية. إلا أن تهديداته سرعان ما تحولت نحو البرنامج النووي الإيراني، الذي يعتقد الغرب أنه يهدف إلى تطوير أسلحة ذرية. وبينما عاد وفدا واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات، واصل ترامب بالتوازي تعزيزاً عسكرياً كبيراً في الشرق الأوسط بهدف الضغط على إيران لعقد صفقة.

بعد المسيرات الطلابية التي أقيمت يوم السبت لإحياء ذكرى قتلى الاحتجاجات، نشرت وكالة فارس للأنباء يوم الأحد مقاطع فيديو لتجمعات جديدة لعشرات الأشخاص وهم يلوحون بالأعلام الإيرانية ويحملون صوراً تذكارية في جامعات إيرانية بالعاصمة طهران. أظهر أحد الفيديوهات تجمعاً صاخباً في جامعة شريف للتكنولوجيا يهتف “الموت للشاه”، في إشارة إلى النظام الملكي الذي أطيح به في الثورة الإسلامية عام 1979. تخلل التجمع مواجهات مع مجموعة أخرى، ووفقاً لما ذكرته وكالة فارس، فقد شهدت ثلاث جامعات على الأقل في طهران “توترات”، حيث ردد بعض الطلاب شعارات “معادية للنظام”.

تقارير متضاربة حول الضحايا

نشرت قناة “إيران إنترناشونال” المستقلة، والتي وصفتها طهران بأنها “منظمة إرهابية”، مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر طلاباً يرفعون العلم الذي كان مستخدماً قبل الثورة في جامعة شريف، بالإضافة إلى مقاطع لمسيرات في مؤسسات تعليمية أخرى. وتظهر لقطات تم تحديد موقعها بواسطة وكالة فرانس برس لاحتجاج في جامعة شريف، حشوداً كبيرة تهتف بشعارات مناهضة للحكومة وهم يلتفون حول طلاب يرفعون علم النظام الملكي السابق.

تُقر السلطات الإيرانية بسقوط أكثر من 3000 شخص في الاضطرابات، بمن فيهم أعضاء في قوات الأمن ومواطنون عابرون، لكنها تزعم أن العنف كان سببه “أعمال إرهابية” غذتها “أعداء إيران”. ومع ذلك، سجلت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (HRANA) ومقرها الولايات المتحدة، مقتل أكثر من 7000 شخص في حملة القمع، الغالبية العظمى منهم من المحتجين، مع احتمال أن يكون العدد الفعلي أعلى بكثير.

مسار المفاوضات والمخاوف الأمنية

اجتمع مؤخراً ممثلون عن الولايات المتحدة وإيران في جنيف في جولة ثانية من المحادثات النووية التي توسطت فيها سلطنة عمان، وقد وعدت إيران بإرسال مسودة اقتراح لعقد صفقة لتجنب العمل العسكري في الأيام القادمة. وذكر موقع “أكسيوس” يوم الأحد، نقلاً عن مسؤول أمريكي كبير لم يُكشف عن هويته، أنه إذا قدمت إيران اقتراحها خلال الـ 48 ساعة القادمة، فإن واشنطن مستعدة للاجتماع مرة أخرى “في جنيف يوم الجمعة لبدء مفاوضات مفصلة لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا التوصل إلى اتفاق نووي”.

في سياق متصل، قامت الولايات المتحدة بإرسال حاملتي طائرات إلى المنطقة، بالإضافة إلى طائرات وسفن أخرى، وقامت أيضاً بتعزيز دفاعاتها الجوية في الشرق الأوسط. وصرح كبير مفاوضي الرئيس الأمريكي في الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، يوم السبت في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، بأن الرئيس يتساءل لماذا لم تخضع إيران بعد للضغوط الأمريكية. وتساءل: “إنه فضولي بشأن سبب عدم استسلامهم… لا أريد استخدام كلمة ‘استسلم’، لكن لماذا لم يستسلموا؟ لماذا، تحت هذا الضغط، ومع هذه القوة البحرية والأسطول الموجودين هناك، لم يأتوا إلينا ويقولوا: ‘نحن نعلن بوضوح أننا لا نريد سلاحاً، لذا إليكم ما نستعد لتقديمه’؟”.

تصر إيران منذ فترة طويلة على أنها لا تسعى لإنتاج أسلحة نووية، لكنها تؤكد على حقها في تخصيب اليورانيوم للاستخدامات المدنية.

شبح الحرب يخيم على المنطقة

كانت جولة سابقة من الدبلوماسية النووية العام الماضي قد تعطلت بسبب حملة القصف الإسرائيلية المفاجئة على الجمهورية الإسلامية. وأدى ذلك إلى صراع دام 12 يوماً في يونيو، انضمت إليه الولايات المتحدة لفترة وجيزة بضربات على منشآت نووية. وقد أكدت إيران أنها ستدافع عن نفسها في حال وقوع أي هجوم جديد.

على الرغم من المحادثات الأخيرة، تزايدت مخاوف الإيرانيين من اندلاع صراع جديد. قال حميد، المقيم في طهران، لوكالة فرانس برس: “لا أنام جيداً في الليل حتى أثناء تناول الحبوب”، معبراً عن قلقه على “صحة عائلتي… أطفالي وأحفادي”. وتعتقد مينا أحمدوند، فنية تقنية تبلغ من العمر 46 عاماً: “في هذه المرحلة، الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل حتمية وقد أعددت نفسي لهذا الاحتمال… لا أريد أن تحدث الحرب، لكن لا ينبغي الاستهزاء بالحقائق على أرض الواقع.”

وقد دفعت هذه المخاوف العديد من الدول الأجنبية إلى حث مواطنيها على مغادرة إيران، بما في ذلك السويد وصربيا وبولندا وأستراليا، التي حذرت من أن “الرحلات التجارية متاحة حالياً ولكن هذا قد يتغير بسرعة”.

خلاصة

يشهد الوضع في إيران مزيجاً معقداً من الاحتجاجات الداخلية المتجددة، والتوترات السياسية مع القوى العالمية، والمخاوف من تداعيات البرنامج النووي. وفي ظل هذا المشهد المتقلب، يبقى مصير المنطقة معلقاً على مسار المفاوضات والقرارات المستقبلية لطهران وواشنطن، حيث تتزايد المخاوف من اندلاع صراع جديد قد تكون له عواقب وخيمة.

شاركها.