توسيع السيطرة الإسرائيلية: تغييرات جذرية تعيد تشكيل واقع ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية
شهدت الأيام الأخيرة تطورات مهمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث قامت إسرائيل بإدخال تغييرات جذرية في الضفة الغربية من شأنها أن تعيد تشكيل الواقع لملايين الفلسطينيين. هذه الإجراءات، التي تعد الأولى من نوعها منذ احتلال إسرائيل للأراضي في حرب عام 1967، تذهب إلى أبعد من مجرد تعديلات إدارية، لتشكل تحولاً جوهرياً في آليات الحكم وتوسع السلطة المدنية الإسرائيلية في مناطق خاضعة للقانون العسكري منذ ما يقرب من ستة عقود.
يشير المسؤولون الإسرائيليون إلى أن هذه الخطوات تمثل توسيعاً فعلياً لـ “السيادة” الإسرائيلية على الضفة الغربية، وهو هدف طالما سعت إليه حركات الاستيطان اليمينية والمتطرفة. يرى النقاد أن هذه التحركات تهدف إلى فرض ضم فعلي، أو “Annexation” كما يصفونها، حتى دون إعلان رسمي. هذا التطور يقوض بشكل أكبر السلطة الفلسطينية المحدودة في أجزاء من الضفة الغربية، ويهدم الإطار الذي أرستها اتفاقيات أوسلو. وقد صرح وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، الذي قاد هذه التغييرات، بأن الهدف هو “مواصلة دفن الدولة الفلسطينية”.
توسيع النطاق المدني الإسرائيلي في الضفة الغربية
في الثامن من فبراير، أعلن مجلس الوزراء الإسرائيلي عن مجموعة من التغييرات التي وصفت بالراديكالية. أحد الجوانب الرئيسية يمس المناطق “أ” و “ب”، التي تشكل حوالي 40% من مساحة الضفة الغربية، وتضم المدن والبلدات الفلسطينية الرئيسية.
وفقاً لاتفاقيات أوسلو، التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في عامي 1993 و 1995، كانت المناطق “أ” و “ب” تخضع لسيطرة مدنية فلسطينية كاملة، بينما احتفظت إسرائيل بالسيطرة على المنطقة “ج”، التي تشكل 60% من الضفة الغربية وتحوي معظم المستوطنات الإسرائيلية.
في السابق، كانت السلطات الإسرائيلية تقوم بهدم المنازل الفلسطينية في المنطقة “ج” بذريعة مخالفات البناء، لكنها كانت مقيدة في المناطق “أ” و “ب”، باستثناء الغارات المبررة بـ “الأمن”. ومع ذلك، تسمح الإجراءات الجديدة لإسرائيل الآن باتخاذ وتنفيذ قرارات تتعلق بالشؤون المدنية في المناطق “أ” و “ب”، مما يقوض بشكل مباشر سيطرة السلطة الفلسطينية.
يتم ذلك تحت ستار حماية المواقع التراثية والأثرية، أو منع الإضرار بالبيئة والموارد المائية. على سبيل المثال، ستتمكن القوات الإسرائيلية الآن من هدم منازل أو آبار أو هياكل أخرى في قلب مدن مثل رام الله أو نابلس إذا اعتبرت ضارة بالتراث أو البيئة أو الموارد المائية.
ويشير تحليل مفصل إلى أن هذه التعريفات تحمل “إمكانية تفسيرية واسعة جداً”، كما ذكرت منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية المناهضة للاستيطان. بالإضافة إلى ذلك، ستكون لإسرائيل سلطة أكبر في إجراء الحفريات، وشراء الأراضي، وإعلان مواقع أثرية، كل ذلك تحت غطاء حماية المواقع التراثية. يرى محللون أن هذا يمثل نهاية فعالة لإطار اتفاقيات أوسلو.
تسهيل الاستيلاء على الأراضي المملوكة للفلسطينيين
تشمل التغييرات الرئيسية الأخرى تسهيل عملية استيلاء إسرائيل على الأراضي بشكل جماعي، وتمكين المستوطنين من امتلاك ممتلكات خاصة في الضفة الغربية. يتم ذلك عن طريق إلغاء قانون أردني قديم كان يمنع بيع الأراضي للفلسطينيين غير المقيمين.
بالإضافة إلى ذلك، قامت الحكومة بإلغاء السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية، والتي كانت محمية سابقاً لمنع التزوير، وهي تكتيك كثيراً ما يستخدمه المستوطنون، خاصة فيما يتعلق بالعقارات المملوكة للفلسطينيين الذين غادروا المنطقة.
كما تم بالتوازي إلغاء لوائح رئيسية كانت تحكم المعاملات العقارية لمنع الاحتيال، مما يجعل من السهل على المستوطنين شراء الأراضي. بعد أيام قليلة من هذه القرارات، وافقت الحكومة الإسرائيلية أيضاً على إجراء يسمح لها بتسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية كـ “ملكية دولة”.
هذا الإجراء يهدف إلى تقنين مصادرة الأراضي غير المسجلة أو “المتخلى عنها” عن طريق إعادة تصنيفها. تجدر الإشارة إلى أن القانون الدولي يحظر على السلطة القائمة بالاحتلال إجراء تسجيل للأراضي في الأراضي المحتلة. ونظراً لطبيعة هذه العملية غير القابلة للعكس، ينظر إليها على نطاق واسع كأداة لفرض السيادة على أرض محتلة.
تحول في السيطرة على مدينة الخليل
الخليل هي إحدى المدن الحساسة التي استهدفتها هذه التغييرات الإسرائيلية بشكل خاص. تنقل الإجراءات الجديدة صلاحيات إصدار تصاريح البناء والموافقات على الإنشاءات في المدينة من السلطة الفلسطينية إلى الجيش الإسرائيلي.
الخليل، التي يقطنها حوالي 200 ألف فلسطيني و 700 مستوطن إسرائيلي، كانت بؤرة لنشاط الاستيطان لعقود. وهي أيضاً المدينة الفلسطينية الوحيدة خارج القدس الشرقية التي يعيش فيها مستوطنون داخل المركز الحضري.
بعد مجزرة عام 1994 في المسجد الإبراهيمي على يد مستوطن إسرائيلي، تم تقسيم المدينة بموجب بروتوكول الخليل: H1، الذي يغطي 80% من المدينة، يقع تحت السيطرة الفلسطينية؛ بينما H2، الذي يغطي 20%، يخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
في السابق، كانت جميع تصاريح البناء في المدينة تصدر عن السلطة الفلسطينية. ولكن الآن، تسمح هذه التغييرات لإسرائيل بالسماح بالبناء والتغييرات في البلدة القديمة بالخليل، بما في ذلك بالقرب من المسجد الإبراهيمي، دون تدخل السلطة الفلسطينية. هذا الإجراء مثير للجدل للغاية، حيث يمكن أن يفتح الباب أمام توسيع المستوطنات داخل المدينة أو إجراء تغييرات على موقع مقدس للمسلمين، مما قد يثير ردود فعل واسعة.
توسيع الحدود الإسرائيلية فعلياً
بعد ما يقرب من أسبوع من إعلان هذه التدابير الشاملة، وافقت إسرائيل على خطوة أخرى تعزز الضم الفعلي. يوم الاثنين، دفعت الحكومة بخطط لإنشاء مستوطنة جديدة توسع فعلياً الحدود البلدية للقدس نحو الضفة الغربية المحتلة.
إذا تم تنفيذ هذا المخطط، فسيكون التوسع الرسمي الأول لحدود إسرائيل في الضفة الغربية منذ احتلال عام 1967. لم تحدد إسرائيل رسميًا حدودها مع الضفة الغربية أو غزة أو لبنان أو سوريا. يستهدف المخطط مستوطنة “آدم”، المعروفة أيضاً باسم “جيفا بنيامين”، الواقعة شمال شرق القدس الشرقية المحتلة.
تقدم هذه المستوطنة كمشروع “حي جديد” ضمن مستوطنة آدم، ولن تكون له أي صلة مادية بالمستوطنة القائمة، وفقاً لتقارير إعلامية إسرائيلية. بدلاً من ذلك، سيتم توسيع حدود بلدية القدس، التي ضمتها إسرائيل عام 1980 – وهو قرار لم يتم الاعتراف به دولياً.
يعد هذا التوسع هو الأحدث في سلسلة من الخطوات التي وصفتها صحيفة “يديعوت أهارونوت” الإسرائيلية بأنها “طمس خطوط الهدنة الخضراء”، وهو الخط الفاصل الذي تم الاتفاق عليه في عام 1949 والذي يفصل إسرائيل عن الضفة الغربية وقطاع غزة.
خاتمة
تُعد التغييرات الجذرية في الضفة الغربية التي أدخلتها إسرائيل مؤخراً نقطة تحول خطيرة قد تغير مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. هذه الإجراءات، التي تتجاوز الحدود القانونية والدولية، تهدف إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية وتوسيع النفوذ الاستيطاني، مما يهدد بإلغاء ما تبقى من اتفاقيات السلام وتقويض آمال إقامة دولة فلسطينية مستقلة. إن فهم أبعاد هذه التحعات المعقدة وتأثيرها المحتمل على حياة ملايين الفلسطينيين أمر بالغ الأهمية للمجتمع الدولي.
