جدل في تركيا: مشهد “لحم الخنزير” يثير انقسامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي
شهدت وسائل التواصل الاجتماعي التركية هذا الأسبوع جدلاً محتدماً عقب عرض مشهد في مسلسل تلفزيوني تركي، حيث تم تقديم لحم الخنزير لعائلة تبدو متحفظة ومسلمة. أثار هذا المشهد انتقادات واسعة، حيث اعتبره الكثيرون محاولة متعمدة لاستفزاز التوترات الاجتماعية وزيادة الاستقطاب في المجتمع.
تفاصيل المشهد المثير للجدل
اندلعت الشرارة الأولى للجدل بعد مشهد بثته شبكة ATV في مسلسل “تحت المطر نفسه” (Aynı Yagmur Altında). تضمن المشهد عائلة مضيفة تقدم لحم الخنزير لضيوف جدد يصلون إليها، ويبدو الضيوف ملتزمين دينياً. رغم أن المسلسل لم يحدد صراحة هوية الضيوف كمسلمين، إلا أن العديد من المشاهدين أشاروا إلى أن القرائن البصرية، مثل الحجاب والملابس المتحفظة والسلوكيات الدينية، بالإضافة إلى سياق أحداث المسلسل في تركيا، جعلت النوايا واضحة.
بدأ عرض المسلسل في 9 فبراير، وشهدت حلقته الثانية، التي بُثت يوم الاثنين، هذا المشهد المثير للجدل. بالنسبة للكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يتركز الغضب حول حرمة تناول لحم الخنزير من الناحية الدينية، بل حول تقديم سيناريو وصفوه بأنه “غير منطقي ثقافياً وغير حساس” ومدفوع بأجندة تهدف إلى خلق المزيد من الاستقطاب داخل المجتمع المسلم المحافظ في تركيا.
استهداف النسيج الاجتماعي التركي
تعكس ردود الفعل على المشهد انقسامات أعمق في المجتمع التركي. ورد في منشور لـ “الجمعية التركية الأرثوذكسية” على منصة X: “حتى في الدوائر الدينية في تركيا، هناك واقع ‘المسلمين الذين يشربون الكحول’. ولكن، باستثناءات نادرة، حتى في الدوائر العلمانية، لا يوجد واقع ‘أكل لحم الخنزير’. حتى نحن، الأتراك المسيحيون، نادراً ما نأكل لحم الخنزير. ولن نقدم أبداً لحم الخنزير أو الكحول لجيراننا المسلمين. من هم الأشخاص الذين يكتبون هذه السيناريوهات؟”
اتفق العديد من مستخدمي الإنترنت مع هذا الرأي، مؤكدين أن القضية لا تتعلق بأكل لحم الخنزير أو تقديمه بحد ذاته، بل بوجود أجندة تسعى لخلق انقسام أكبر داخل المجتمع المسلم المحافظ في تركيا.
المسلسل وقضيته الرئيسية
يجدر بالذكر أن المسلسل نفسه لا يتمحور بشكل أساسي حول الدين. تتبع قصته الشابة “روزا”، التي تبدأ رحلتها في لندن بحضور احتجاج داعم لفلسطين قبل أن تعود إلى تركيا. يستكشف المسلسل مواضيع المرض، والنشاط، والهوية، والعلاقات عبر الثقافات، بما في ذلك علاقتها بشخص تقابله خلال الاحتجاج.
يظهر مشهد لحم الخنزير ضمن هذه السردية الأوسع، لكنه سرعان ما طغى على الكثير من خط القصة الأصلي الذي هدفه المسلسل. في البداية، بدا المسلسل واقعياً من الناحية السياسية، حيث افتتح بلقاء شخصياته الرئيسية في احتجاج وردت فيه إشارة إلى “إبادة إسرائيل في غزة”. لكن النقاد يقولون إنه سرعان ما انحرف نحو مشاهد دينية وصفوها بأنها “كوميدية وغير ضرورية ومثيرة للانقسام”، مما قوض نبرته المبكرة.
خلفيات سياسية وإعلامية
أشار آخرون إلى أن القضية تتجاوز المشهد نفسه، معتبرين إياه جزءاً من صراع ثقافي وسياسي أوسع يتم عبر وسائل الإعلام الترفيهية. لفت النقاد الانتباه إلى أن المسلسل يُبث على قناة ATV، وهي مملوكة لمجموعة Turkuvaz Media Group، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها متحالفة مع الحكومة التركية والدوائر المحافظة.
يُذكر أن سيرحت ألبيرق، رئيس مجلس إدارة Turkuvaz Media، هو شقيق بيرات ألبيرق، وزير الطاقة التركي السابق وصهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. تساءل البعض لماذا ستقدم قناة يُنظر إليها على أنها موالية للحكومة سيناريو يفسره الكثيرون على أنه مهين أو يهمش الشخصيات المتدينة ظاهرياً.
وجهات نظر متباينة
بالطبع، دافع مؤيدو المسلسل عن المشهد، قائلين إن الغضب قد أُفرط في تضخيمه، وإن الأعمال الدرامية غالباً ما تستخدم سيناريوهات غير مريحة لإثارة النقاش. اتهم بعض المعلقين المسلسل بمحاولة اختلاق شعور بالظلم أو الضحية، مشيرين إلى أن المشهد تم تصميمه لتعزيز روايات التمييز الديني.
بالمقابل، هناك من اتهم الكتاب بمحاولة الحفاظ على الوضع الراهن للحكومة الحالية من خلال نشر الانقسام. وعلق أحدهم على كيف ساهم هذا الحادث في سد الفجوة بين المحافظين الأتراك في الولايات المتحدة وتركيا.
تداعيات أوسع
لاحظ مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً أنه تم إلغاء تنشيط حساب المسلسل على منصة X في الأيام القليلة الماضية بعد بث الحلقة المثيرة للجدل. بينما انتشرت مقاطع المشهد، تحولت القضية من كونها تتعلق بقواعد النظام الغذائي إلى قضايا الهوية، وملكية وسائل الإعلام، والدور المتصور للمحطات المتحالفة مع الحكومة في تشكيل السرديات الاجتماعية.
سواء كان المشهد اختياراً سردياً أخرق أو استفزازاً محسوباً، فإن رد الفعل يؤكد كيف يمكن حتى للحظات خيالية أن تتحول بسرعة إلى نقاط اشتعال في المجال العام التركي شديد الاستقطاب.
تصالحت Middle East Eye مع ATV، و Turkuvaz Media Group، وشركة الإنتاج Baba Yapim للحصول على تعليق، لكنها لم تتلق رداً بحلول وقت نشر هذه القصة.
