الجدل حول حظر المسيرات الداعمة لفلسطين في بريطانيا: تصريحات كير ستارمر تثير التساؤلات
أثارت تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، التي أدلى بها في مقابلة تلفزيونية، جدلاً واسعاً حول إمكانية تبرير حظر بعض المسيرات الداعمة للقضية الفلسطينية، خاصة تلك التي تدعو إلى “انتفاضة عالمية”. تأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد الضغوط على الحكومة البريطانية لاتخاذ إجراءات بعد سلسلة من الحوادث المعادية للسامية، بما في ذلك الهجوم الذي وقع مؤخراً في منطقة جولديرز جرين شمالي لندن، التي تضم جالية يهودية كبيرة.
تصاعد التوترات بعد هجوم شمال لندن
شهدت بريطانيا مؤخراً حادثة طعن مروعة أدت إلى إصابة رجلين في منطقة جولديرز جرين، وهي منطقة معروفة بكثافة تواجد الجالية اليهودية فيها. وقد تم احتجاز رجل بريطاني يبلغ من العمر 45 عاماً، مولود في الصومال، ووجهت إليه تهمة محاولة القتل عقب مثوله أمام المحكمة.
وقد زار زعيم حزب العمال، كير ستارمر، مسرح الهجوم، وكذلك خدمة الإسعاف التطوعية اليهودية. لكن زيارته لم تمر مرور الكرام، حيث واجه بعض الانتقادات الصاخبة من بعض السكان المحليين الذين اتهموه بعدم القيام بما يكفي لحمايتهم. كما ندد المتظاهرون بالمسيرات الداعمة للفلسطينيين التي تجوب المدن البريطانية.
بدأت هذه المسيرات في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر 2023 الذي شنته حركة حماس على إسرائيل، والذي أدى بدوره إلى اندلاع الحرب في قطاع غزة. هذه التطورات دفعت إلى نقاش محموم حول حرية التعبير وحدودها، لا سيما عندما تتعارض مع الأمن العام والمشاعر المجتمعية.
حرية التعبير مقابل خطابات الكراهية: توازن صعب
صرح ستارمر، الذي يعرف بخلفيته كـ محامي حقوق إنسان سابق و مدعٍ عام سابق، و زوجته من أصول يهودية، بأن العديد من أفراد الجالية اليهودية أعربوا له عن تأثرهم “بالتكرار” المستمر لهذه الاحتجاجات. وأشار إلى أنه “مدافع قوي عن حرية التعبير والمظاهرات السلمية”، لكنه أكد في الوقت ذاته أن “الهتافات مثل ‘عولمة الانتفاضة’ هي ببساطة خارج النطاق المسموح به”.
التلويح بشعار “عولمة الانتفاضة” يثير مخاوف جدية، خاصة وأن مصطلح “الانتفاضة” يرتبط تاريخياً بالانتفاضات الشعبية الفلسطينية ضد إسرائيل في فترات سابقة، ما بين 1987-1993 وأوائل الألفية الجديدة. ويوضح ستارمر أن هذا النوع من الخطاب يعتبر “خطيراً للغاية” من وجهة نظر العديد من أفراد الجالية اليهودية في بريطانيا.
إجراءات وقائية وتشدد في الرقابة على الشعارات
أكد ستارمر على رغبته في “تطبيق رقابة أشد على اللغة المستخدمة في المسيرات”، مشيراً إلى وجود “حالات” قد تستدعي “وقف بعض الاحتجاجات بشكل كلي”. وأوضح أن هناك مباحثات مستمرة مع الشرطة منذ فترة حول الإجراءات الإضافية التي يمكن اتخاذها.
الجدير بالذكر أن الشرطة في لندن ومدينة مانشستر في شمال غرب البلاد قد أعلنت في ديسمبر الماضي عن عزمها اعتقال أي شخص يردد هتافات “عولمة الانتفاضة”. هذا الموقف يعكس تصاعد القلق الرسمي حول إمكانية تحول هذه الهتافات إلى دعوات للعنف أو التهديد المباشر.
رفع مستوى التأهب الأمني في بريطانيا
تزامناً مع هذه التطورات، رفعت المملكة المتحدة مستوى التأهب الأمني إلى “شديد” – وهو ثاني أعلى مستوى – وذلك في جزء منه بسبب الهجوم في جولديرز جرين، وأيضاً بسبب التهديدات المستمرة من التطرف الإسلامي واليمين المتطرف.
وقد أكدت الشرطة أنها ستولي اهتماماً خاصاً بجميع البلاغات المتعلقة بالاحتجاجات المستقبلية، مما يشير إلى رغبة في تطبيق نهج أكثر حزماً في التعامل مع أي مظاهر قد تهدد الأمن العام أو تثير مشاعر الكراهية.
التحديات المستقبلية والتحرك نحو سياسات واضحة
إن تصريحات كير ستارمر حول حظر المسيرات الداعمة لفلسطين، وربط ذلك بـ “عولمة الانتفاضة”، تعكس محاولة government بريطانيا للتوازن بين الحق في التعبير عن الرأي وبين ضرورة الحفاظ على الوحدة المجتمعية ومقاومة خطاب الكراهية.
وتشكل هذه المواقف تحدياً سياسياً واجتماعياً معقداً، خاصة مع استمرار الحرب في غزة وتأثيراتها العالمية. يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تطبيق هذه السياسات الجديدة على أرض الواقع، وكيف سيتم تفسير خطابات مثل “عولمة الانتفاضة” من قبل السلطات.
تسعى بريطانيا، من خلال رفع مستوى التأهب الأمني والتشدد في مراقبة الشعارات، إلى إرسال رسالة واضحة بأنها لا تتسامح مع الخطابات التي تحرض على العنف أو الكراهية. لكن يبقى مستقبل العلاقات بين حرية التعبير واحترام مشاعر المجتمعات المختلفة، وخاصة الجالية اليهودية، موضوعاً للنقاش والترقب.
يبقى النقاش حول هذه القضية بالغ الأهمية، وتتطلع المجتمعات البريطانية إلى رؤية سياسات متوازنة تضمن الأمن للجميع مع الحفاظ على المبادئ الأساسية لحرية التعبير.

