إعادة تقييم طرق التجارة والنفط في الخليج: تحديات الربط الاستراتيجي

شهدت منطقة الشرق الأوسط اضطرابات متصاعدة، مما دفع دول الخليج إلى إعادة التفكير بشكل جذري في مسارات تجارة النفط والسلع الحيوية. يمثل الإغلاق المحتمل لمضيق هرمز، الممر المائي الوحيد للصادرات الخليجية، تحدياً استراتيجياً كبيراً لهذه الدول، ويجبرها على البحث عن بدائل لتجاوز النفوذ الإيراني المتزايد على أبوابها التجارية. يؤكد خبراء أن هذه العملية لن تكون سهلة، وأن إعادة تشكيل البنية التحتية والتحالفات الإقليمية ستواجه عقبات متعددة.

الحاجة الملحة لتنويع مسارات التصدير

في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة، باتت الحاجة ماسة لدول الخليج لتنويع مسارات تصديرها، خاصة النفط والغاز. يمثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، نقطة ضعف استراتيجية. كتب بدر جعفر، المبعوث الخاص لدولة الإمارات لشؤون الأعمال والعمل الخيري، مؤخراً في صحيفة “فاينانشيال تايمز” أن دول الخليج لن تعود أبداً إلى “تبعية استراتيجية لمضيق ضيق تتحكم به دولة مجاورة لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها”. ودعا إلى بناء قدرات جديدة في مجالات خطوط الأنابيب والموانئ، وتعزيز الربط بين الاقتصادات الإقليمية.

تحديات بناء خطوط أنابيب وبنية تحتية جديدة

تواجه دول الخليج، وخاصة تلك التي لا تمتلك سواحل خارج مضيق هرمز مثل الكويت وقطر والبحرين، تحديات كبيرة في إيجاد بدائل. تمتلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة خطوط أنابيب قائمة تسمح بتصدير جزء من إنتاجهما عبر موانئ تقع خارج المضيق، لكن هذه الخطوط لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من إجمالي الصادرات.

“إن تنويع مسارات توريد الطاقة سيكون أمراً بالغ الأهمية في السنوات القادمة،” كما يرى روبرت موجيلنيكي، من معهد دول الخليج العربي في باريس. وأشار إلى أن بناء خطوط أنابيب جديدة “سيستغرق وقتاً” وقد تظل هذه البنية التحتية “عرضة للخطر”.

بالنسبة للغاز الطبيعي المسال، الذي تعد قطر أكبر منتج له في المنطقة، فإن الاعتماد على مضيق هرمز أكبر. يوضح فريدريك شنايدر، كبير الباحثين في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، أن بناء بنية تحتية بديلة للغاز الطبيعي سيكون على الأرجح “غير جذاب اقتصادياً”. ففكرة خط أنابيب غاز عابر للعرب، وإن طرحت سابقاً، لم تتحقق أبداً بسبب “المسافات، والتعقيدات السياسية، والتكلفة العالية” مقارنة بسفن الغاز المسال في الظروف العادية.

البدائل البرية: تكلفة وفرص محدودة

تتركز معظم الموانئ الرئيسية للحاويات في الخليج على سواحلها الجنوبية، بما في ذلك ميناء جبل علي في دبي. ومع إغلاق مضيق هرمز، تم تحويل السفن إلى سلطنة عمان أو سواحل البحر الأحمر السعودية، ومن ثم نقل الحاويات براً. ومع ذلك، فإن القدرة البرية محدودة، وتكاليف النقل “أعلى بكثير”، حسب شنايدر.

من بين الحلول الممكنة لتعزيز النقل البري، هناك شبكة السكك الحديدية المقترحة لمجلس التعاون الخليجي. لكن هذا المشروع، الذي يفترض أن يربط جميع الدول الأعضاء بحلول عام 2030، يعاني من تأخيرات مستمرة.

احتمال آخر هو مشروع الممر الاقتصادي للهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي تم إطلاقه العام الماضي ويهدف جزئياً إلى تجاوز كل من مضيق هرمز وقناة السويس. لكن هذا المشروع لا يزال “هشاً، إن لم يكن افتراضياً”، وفقاً لشنايدر، خاصة مع الحاجة إلى ربط دول مختلفة ذات مصالح متباينة، في ظل التوترات السياسية القائمة.

التنافس الإقليمي يعيق التكامل

على الرغم من حديث الحكومات الخليجية عن التكامل الإقليمي، يحذر المحللون من أن المصالح الذاتية قد تقف عائقاً. يوضح موجيلنيكي أن “التوترات المحيطة بالمضيق ستولد بعض الزخم الذي يدعم مشاريع التكامل الإقليمي، لكنها ستواجه أيضاً رياحاً اقتصادية معاكسة خطيرة وحكومات ستركز بشكل كبير على جبهاتها الداخلية”.

وقد تجعل الضغوط المالية الناجمة عن الحرب، التي لم تتوقف فيها صادرات النفط والغاز فحسب، بل أثرت أيضاً على السياحة وإنتاج الألمنيوم والأسمدة، من الصعب تحقيق التنسيق. “هذه الأزمة المالية تزيد من حدة التنافس الاقتصادي الشرس، الذي يركز على ‘معاقبة الجار’، والذي اتسمت به السياسات الاقتصادية الوطنية لدول مجلس التعاون الخليجي لسنوات،” يضيف شنايدر.

تاريخياً، لم تؤد صراعات الخليج السابقة إلى مزيد من التكامل الإقليمي. وبينما يمثل إغلاق مضيق هرمز صدمة أكبر، يجب “توخي الحذر بشأن اعتبار صدمة جيوسياسية بديلاً عن الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية المفقودة حتى الآن”.

الخلاصة

إن التحديات التي تفرضها الأوضاع الجيوسياسية المتغيرة في الشرق الأوسط تدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم استراتيجياتها التجارية والطاقوية. في حين أن هناك حاجة واضحة لتنويع مسارات التصدير وتعزيز التكامل الإقليمي، فإن بناء بنية تحتية جديدة، والتغلب على العقبات الاقتصادية والسياسية، والتنافس المحلي، كلها عوامل تجعل من هذه المهمة عملية معقدة وطويلة الأمد. سيتطلب النجاح في هذا المسعى جهوداً متضافرة وإرادة سياسية قوية تتجاوز المصالح الضيقة.

شاركها.