في خضمّ التوترات المتصاعدة، شهدت فرنسا يوم السبت مظاهرات حاشدة تعبيرًا عن الدعم القوي للمتظاهرين في إيران الذين يخاطرون بحياتهم للمطالبة بإنهاء الحكم الديني. وتأتي هذه المظاهرات في أعقاب أسابيع من الاحتجاجات الإيرانية، والتي تُعدّ الأكبر منذ حركة “المرأة والحياة والحرية” التي اندلعت في عامي 2022-2023، إثر وفاة مهسا أميني، الشابة الكردية الإيرانية، أثناء احتجازها بتهمة عدم الالتزام بقواعد اللباس. هذه الاحتجاجات، التي تتصدر عناوين الأخبار العالمية، تثير تساؤلات حول مستقبل الاحتجاجات في إيران ومسار التغيير السياسي في البلاد.

موجة دعم دولية للاحتجاجات في إيران

تجمّع آلاف المتظاهرين في العاصمة الفرنسية، باريس، وعدد من المدن الأخرى، رافعين شعارات “المرأة والحياة والحرية” التي أصبحت رمزًا للمقاومة الإيرانية. كما حمل البعض صورًا للمتظاهرين الإيرانيين الذين لقوا حتفهم خلال المواجهات. واندلعت هتافات منددة بالمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، مطالبةً برحيله.

“أشعر بالأمل، رغم القمع والتعذيب والخوف والإعدامات الوشيكة في إيران”، هكذا عبّرت غاليا، وهي امرأة إيرانية مقيمة في فرنسا، عن مشاعرها. وأضافت: “في كل مرة، أقول لنفسي، ‘لقد حان الوقت، وسيتحرر الشعب’. ربما ليس الآن، ولكن سيأتي ذلك اليوم”. شارك في المظاهرات أيضًا متظاهرون فرنسيون، مما يعكس التضامن الواسع مع القضية الإيرانية.

تصاعد العنف وانقطاع الإنترنت في إيران

في الوقت الذي تتزايد فيه التعبئة الدولية، يواجه المتظاهرون في إيران قمعًا متصاعدًا. أفادت منظمة Netblock، المتخصصة في مراقبة الإنترنت، بحدوث تحسن “طفيف جدًا” في الاتصال بالإنترنت في إيران، بعد أكثر من أسبوع على انقطاع شبه كامل. ويُعتقد أن هذا الانقطاع كان يهدف إلى التغطية على عمليات القتل التي تستهدف المتظاهرين.

وتشير تقديرات منظمة إيران لحقوق الإنسان (IHR)، وهي منظمة غير حكومية مقرها النرويج، إلى أن قوات الأمن الإيرانية قتلت 3,428 متظاهرًا، محذرةً من أن العدد الفعلي قد يكون أكبر بكثير. وتتراوح التقديرات الأخرى بين 5,000 و 20,000 قتيل. وقد ذكرت قناة إيران إنترناشيونال المعارضة، والتي تبث من خارج البلاد، أن عدد القتلى وصل إلى 12,000 شخص على الأقل، استنادًا إلى مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى. هذه الأرقام المروعة تلقي الضوء على وحشية القمع الذي يمارس ضد المتظاهرين السلميين.

آمال وتوقعات متباينة حول مستقبل الاحتجاجات

أعرب أمير، وهو طالب إيراني يبلغ من العمر 23 عامًا، عن رغبته في الحرية، قائلاً: “سقوط النظام أمر لا مفر منه، لا يمكننا أن نعيش هكذا”. وأضاف: “القمع لا يمكن أن ينتصر، الحرية ستنتصر في النهاية”.

ومع ذلك، دعا ناصر رازي، وهو عضو في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، إلى التحلي بالصبر، مؤكدًا أن “هذا النظام لن يسقط في يوم أو يومين. إنها عملية”. هذا التقييم يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة النظام الإيراني وقدرته على الصمود. الحراك السياسي في إيران يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين لتحقيق تغيير حقيقي.

تضامن دولي واسع النطاق

لم يقتصر التضامن مع المعارضة الإيرانية على فرنسا، بل امتد ليشمل العديد من الدول الأخرى. في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، قال علي راستيغار، وهو فرنسي إيراني يبلغ من العمر 43 عامًا، إنه جاء للمشاركة في المظاهرة لإرسال “رسالة دعم” إلى الشعب الإيراني. وأضاف: “إنهم يتظاهرون ويُطلق عليهم النار. هذا أمر غير مقبول”.

وفي مدينة رين الفرنسية، أكدت زهرة بودين، المنظمة للمظاهرة، أن المشاركين أرادوا “أن يصرخوا بصوت عالٍ مثل مواطنينا” في إيران. وفي مدينة ليون، ضمّت المظاهرة العديد من المؤيدين لرضا بهلوي، نجل الشاه الإيراني الراحل.

صعوبات التواصل مع الداخل الإيراني

على الرغم من عودة الاتصال بالإنترنت بشكل جزئي، لا يزال التواصل مع الأسر والأصدقاء في إيران يمثل تحديًا كبيرًا. قال أحد المتظاهرين الإيرانيين، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: “لقد تحسن الاتصال مؤخرًا، ولكن كل شيء يتم تسجيله هناك. عندما يريدون أن يخبرونا بما يحدث، يتم قطع الاتصال”.

وفي مدينة أصفهان، ذكر أحد الشباب أنه “يمكنك أن تشم رائحة الدم في الشوارع”. وفجأة، رن هاتفه، وقال: “إنها عائلتي”، ثم ابتعد للرد على المكالمة. هذه اللحظات العفوية تجسد القلق العميق الذي يعيشه الإيرانيون في الخارج على سلامة أحبائهم في الداخل.

الخلاصة

تُظهر المظاهرات الحاشدة في فرنسا وغيرها من الدول التضامن الدولي المتزايد مع الشعب الإيراني المطالب بالحرية والتغيير. على الرغم من التحديات الهائلة التي تواجه المتظاهرين، بما في ذلك القمع العنيف وانقطاع الإنترنت، إلا أن الأمل في تحقيق تغيير ديمقراطي في إيران لا يزال قائمًا. من الضروري استمرار الضغط الدولي على النظام الإيراني، ومساندة المعارضة، لضمان تحقيق مطالب الشعب الإيراني بالحرية والعدالة. نحن ندعو الجميع إلى متابعة آخر التطورات في إيران، والتعبير عن تضامنهم مع المتظاهرين السلميين، والمطالبة بوقف العنف وانتهاكات حقوق الإنسان.

شاركها.