قال الصيدلي محمد زكي، إنه لا يمر يوم دون مشادة كلامية أو شجار جسدي، معلقا على أجواء سوق الدواء المصري التي تعاني من نقص حاد يفاقم معاناة المرضى ويضع الصيادلة في موقف محرج.

وتقول الصيدلانية إيمان سيد إن أنواع الأدوية اللازمة للأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض الكبد والقلب والكلى ونوبات الربو غير متوفرة، “لكن لدي مستحضرات تجميل”.

وتؤثر الأزمة على نحو ألف نوع من الأدوية، من إجمالي 17 ألف نوع مسجلة رسميا للاستخدام في مصر، ويعني النقص خسائر فادحة لنحو 80 ألف صيدلية في البلاد، والتي عجزت عن توفير الأدوية المطلوبة في السوق منذ أكثر من عام، رغم تزايد الطلب على أغلبها.

ورغم تفاقم الأزمة، كانت استجابات الحكومة بطيئة وغير فعالة.

لقد هيمنت الصراعات الرسمية والوعود الغامضة على هذه الأزمة. فقد قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إن الدولة تعمل على التغلب على أزمة الأدوية خلال شهر. ولكن خلال مؤتمر صحفي في مدينة العلمين الجديدة شمال مصر يوم الأربعاء الماضي، تم تعديل هذا الموعد إلى شهرين أو ثلاثة. إلا أن رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية المصرية علي عوف قال إن أزمة نقص الأدوية ستنتهي بشكل شبه كامل خلال فترة تتراوح بين 45 و60 يومًا على الأكثر.

تم إنفاق تسعين مليار جنيه مصري (1.9 مليار دولار) على الأدوية في النصف الأول من العام الجاري، مع توقعات بارتفاع المبيعات إلى 200 مليار جنيه (4 مليارات دولار) بحلول نهاية عام 2024.

“الحشيش متوفر لكن الدواء غير متوفر”، هكذا قال رجل يبلغ من العمر ستين عامًا وهو يشرح صعوبة البحث عن الصيدليات في المناطق السكنية المختلفة للعثور على الأدوية المفقودة. والبديل هو السوق السوداء، وهي سوق نشطة خارج الصيدليات، ويديرها أصحاب الصيدليات عبر الإنترنت وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وشهدت مستويات قياسية في أسعار بعض الأدوية.

نظرت إلى أسعار بعض الأدوية المهمة، فسعر حقن أوزمبيك، على سبيل المثال، التي تستخدم لعلاج مرض السكري وخفض الوزن، تراوح بين 1400 جنيه إسترليني (29 دولارًا) في السوق العادية إلى 5000 جنيه إسترليني (103 دولارات) في السوق السوداء. وارتفع سعر بروليا، وهو دواء يستخدم لعلاج التهاب المفاصل، من 1350 جنيهًا إسترلينيًا (28 دولارًا) إلى 4500 جنيه إسترليني (93 دولارًا)، بينما وصل سعر الأنسولين تريسيبا إلى 1000 جنيه إسترليني (21 دولارًا) في السوق السوداء، ارتفاعًا من 380 جنيهًا إسترلينيًا (8 دولارات) في الصيدليات. كما ارتفع سعر ميكستارد، وهو دواء يستخدم لمرضى السكري، من 55 جنيهًا إسترلينيًا (1.10 دولارًا) إلى 400 جنيه إسترليني (8 دولارات كحد أدنى) في السوق السوداء.

يقرأ: مصر تخطط لتقليص الاعتماد على الغاز الإسرائيلي

الغريب أنك في مصر قد تضطر لطلب المساعدة من أحد للحصول على دواء مفقود إذا كان لديك مريض سكر أو أي شخص يعاني من أمراض مزمنة وخطيرة أخرى. طلب ​​مني أحد الأصدقاء مساعدته في الحصول على بعض الأنسولين لزوجته التي تعاني من السكر، بعد أن بحث بلا جدوى في عدد من الصيدليات في أحياء الهرم وفيصل والجيزة القريبة من العاصمة. وبعد الاتصال بأحد أصحاب الصيدليات الكبرى في وسط القاهرة تم توفير علبة واحدة له.

جولة على الصيدليات بالقاهرة والمحافظات تكشف عن حجم النقص الشديد في الدواء، والذي طال أيضًا المكملات الغذائية وألبان الأطفال، وأبرزها نكتاليا وهيرو بيبي وبيبي لاك وسيميلاك، بالإضافة إلى ارتفاع أسعارها بشكل كبير، وعدم وجود بدائل، وهو ما يعني أن الطفل قد يحصل على أكثر من نوع من لبن الأطفال في أي فترة زمنية قصيرة، وهو ما قد يؤثر على صحة الطفل.

وتشمل أبرز النواقص أدوية كونكور وبلوكيوم ديو وكابوتين وكابوزايد التي يستخدمها مرضى ارتفاع ضغط الدم الذي يعاني منه أكثر من 30 مليون مصري، بحسب بيانات الجمعية المصرية لارتفاع ضغط الدم، كما يمتد النقص إلى المضادات الحيوية مثل كيورام وميجاموكس، ومسكنات الألم وخافضات الحرارة مثل بروفين وكاتافلام وميجافين، فضلاً عن البدائل التي يستطيع الأطباء وصفها.

وتزداد معاناة المرضى بشكل ملحوظ، مع استمرار اختفاء أدوية النقرس والكبد والكلى والمرارة، والمحاليل الوريدية، والحقن الوريدية، وحمى البحر، وضمور العضلات. وحتى أدوية التخدير أصبحت نادرة.

أخبرني الصيدلي ع.ع أنه يبيع أقراص الذبحة الصدرية والربو مثل مينوفيلين وموسع الشعب الهوائية كيبرون بنظام الأقراص، في حين تباع الأدوية الأخرى الناقصة بالشريط وليس بالعلبة الكاملة. وبرر ذلك بأنه محاولة لتلبية احتياجات المرضى في ظل النقص الشديد في السوق.

ولعل الأخطر من ذلك كله هو أن الأزمة امتدت إلى غرف العمليات في المستشفيات الحكومية.

ويعاني المرضى من نقص في المعدات الجراحية والقنيات وأجهزة المحاليل والصفائح والبراغي للكسور والأطراف الصناعية. وقال طبيب في أحد المستشفيات الحكومية، طلب عدم ذكر اسمه، إن المشاجرات تحدث بشكل متكرر بين أهالي المرضى والطاقم الطبي بسبب عجز المستشفى عن توفير المستلزمات الجراحية والدوائية، ويطلب المستشفى من المرضى شراء احتياجاتهم من الخارج، وهو ما يمثل عبئا ماليا إضافيا عليهم.

يقرأ: مصر والاتحاد الأوروبي يوقعان اتفاقيات بقيمة 67.7 مليار يورو

وكثيرا ما يلقى اللوم على المرضى في تفاقم الأزمة من خلال تخزين الأدوية، الأمر الذي يفرض ضغوطا إضافية على سلسلة التوريد. وهناك من يحمل الصيدليات وأصحاب المتاجر جزءا من المسؤولية، بحجة أنهم يحتفظون بالمخزون في انتظار تفاصيل ارتفاع الأسعار التي تنتقل إلى المرضى. لكن وفقا لرئيس جمعية الحق في الدواء محمود فؤاد، فإن الأزمة ترجع إلى نقص الدولارات في مصر لاستيراد المواد الخام من الخارج، وارتفاع أسعار المواد الخام ومستلزمات التصنيع.

وفي ظل تحرير سعر صرف العملة المحلية في مارس/آذار الماضي من 31 جنيها إلى 48 جنيها للدولار، تواجه شركات الأدوية موقفا صعبا بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما دفعها للمطالبة برفع أسعار نحو 3 آلاف صنف من الأدوية، بحسب شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية.

ويوجد في مصر 191 مصنعا مرخصا للأدوية، تمتلك مجتمعة 799 خط إنتاج، بحسب بيانات صادرة عن هيئة الدواء المصرية الحكومية، لكن السوق يعتمد على المواد الخام المستوردة بنسبة 90% من الاحتياجات.

وأرجع رجل أعمال في سوق الأدوية، رفض ذكر اسمه، الأزمة إلى معضلة “التسعير القسري”، فالأدوية من المنتجات التي يتم تسعيرها بالقوة في مصر، مثلها كمثل منتجات البترول والخبز، لكن على عكس الوقود لم ترتفع أسعاره، حيث شهد الوقود أكثر من 10 زيادات في الأسعار في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وأعلن في مايو/أيار الماضي عن تشكيل لجنة دائمة برئاسة وزير الصحة خالد عبد الغفار لمراجعة أسعار الأدوية كل ستة أشهر، على غرار لجنة تسعير المنتجات البترولية. وجاء الإعلان بعد أن تقدمت العديد من الشركات بطلبات لإعادة تسعير الأدوية، في ظل ارتفاع تكاليف التصنيع.

وقال لي مساهمون في شركات الأدوية إنهم يطالبون بمفاوضات جادة مع الحكومة لحل الأزمة، على أمل أن تتفق الأطراف على تحديد أسعار عادلة تحقق التوازن في السوق بين إمدادات الأدوية للمرضى وأرباح الشركات، مع تغطية الفجوة في تكاليف الإنتاج بعد تعويم العملة المحلية أمام الدولار.

من جانبها، تقترح الحكومة حلولاً تتطلب الموافقة على زيادة محدودة في أدوية الأمراض المزمنة، مقابل تعويض شركات التصنيع بزيادات أكبر في منتجات أخرى غير حيوية، مثل المكملات الغذائية.

ورغم ذلك، لا يزال المصريون يخشون من موجة جديدة من التضخم تضرب سوق الدواء، على غرار زيادة أسعار الوقود قبل أيام، وارتفاع أسعار النقل والمواد الغذائية، وهو ما سيثقل كاهل المرضى بمزيد من المعاناة، التي تجمع بين آلام المرض وقسوة عدم القدرة على تحمل تكاليف علاجه.

رأي: مصر: الحرية مقابل الصمت

الآراء الواردة في هذه المقالة تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع ميدل إيست مونيتور.

شاركها.