المكسيك تحت رحمة العنف بعد مقتل زعيم كارتل “خاليسكو”: ما وراء الكواليس
اهتزت المكسيك على وقع سلسلة من أعمال العنف المروعة يوم الاثنين، عقب تأكيد مقتل نيميسيو أوسيجرا، المعروف بـ “إل مينشو”، زعيم كارتل “جيل العصر الجديد في خاليسكو” (CJNG) ذو السمعة السيئة، على يد الجيش. تحولت المدن المكسيكية إلى ساحات قتال، ملأت سحب الدخان النيران سماءها، في مشهد يذكر بحروب طاحنة.
تصاعد العنف وتوزيعه الجغرافي
شهدت ولاية خاليسكو، وخصوصاً مدينة بويرتو فالارتا السياحية الشهيرة، أضراراً جسيمة. التهمت النيران سيارات ومبانٍ، غطت سحب دخان أسود المدينة. تم توثيق هذه مشاهد الفوضى والدمار من شرفات المباني الفاخرة وشواطئ المنتجعات، حيث كان السياح الأمريكيون، منهم من يرتدي ملابس السباحة ويحتسي الكوكتيلات، يشاهدون أحداث العنف تدور حولهم.
يعكس هذا التفاوت الصارخ بين رفاهية السياح وما يعانيه السكان المحليون، شرخاً اجتماعياً واقتصادياً عميقاً في المكسيك، تم نشره على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كارتل “خاليسكو” والمواقع الفاخرة
لطالما عانت المكسيك من عنف العصابات لعقود، حيث تسيطر الكارتلات القوية على مساحات شاسعة من البلاد، وتوفر خدمات اجتماعية في المناطق الفقيرة حيث لا تصل يد الحكومة المركزية. وعلى الرغم من هذا الواقع، كانت وجهات المنتجعات الفاخرة، مثل بويرتو فالارتا، على مدى فترة طويلة بمنأى عن الصراعات المباشرة مع الكارتلات، على عكس مصير المواطنين المكسيكيين في المناطق الأخرى.
تُعرف بويرتو فالارتا بأنها منطقة ساحلية ثرية، وقد احتفت بها صحيفة “نيويورك تايمز” مؤخراً كـ “بلدة ساحلية هادئة على المحيط الهادئ” سبق أن استضافت نجوماً مثل إليزابيث تايلور وريتشارد بيرتون.
قوة “إل مينشو” وتداعيات مقتله
أشارت آراء خبراء الأمن إلى أن رد الفعل السريع من كارتل “خاليسكو” على مقتل زعيمه، يؤكد مدى قوته ونفوذه. كانت عملية الجيش هذه، والتي تعد الأكبر حتى الآن في عهد الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم، قد تمت بدعم استخباراتي أمريكي، ضمن ضغوط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لزيادة الجهود في مكافحة الكارتلات.
كشف وزير الدفاع المكسيكي، ريكاردو تريفيلا، أن أحد المقربين من شركاء أوسيجرا الرومانسيين قد قدم معلومات استخباراتية للمسؤولين قبل يوم واحد من الغارة على مجمع زعيم الكارتل.
وقد أُصيب أوسيجرا يوم الأحد في اشتباك مع جنود في بلدة تالابا، بولاية خاليسكو، وتوفي أثناء نقله إلى مكسيكو سيتي، وفقاً لما أعلنه الجيش.
لكن، وعلى الرغم من هذا الانتصار الكبير للرئيسة شينباوم، كتب ترامب على موقع للتواصل الاجتماعي يوم الاثنين: “يجب على المكسيك تكثيف جهودها ضد الكارتلات والمخدرات!”.
في وقت لاحق، أعلنت شينباوم يوم الاثنين أن معظم أعمال العنف قد هدأت، وأنه لا توجد حواجز طرق نشطة متبقية في جميع أنحاء البلاد.
“إل مينشو”: مسيرة إجرامية
يُلقب نيميسيو أوسيجرا، البالغ من العمر 59 عاماً، بـ “إل مينشو”. وقد عمل هو وكارتله بحرية مطلقة في المكسيك، ونفذوا هجمات ضد ضباط الشرطة والمسؤولين الأمنيين.
في عام 2020، أمر أوسيجرا باغتيال جريء استهدف رئيس شرطة مكسيكو سيتي آنذاك، عمر غارسيا هارفوتش، مما أسفر عن إصابته وقتل ثلاثة آخرين. يشغل غارسيا هارفوتش حالياً منصب رئيس الأمن العام في البلاد. وفي حادثة أخرى، أسقط كارتله طائرة هليكوبتر عسكرية باستخدام صاروخ.
تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً يظهر فيه القسم “النخبة” التابع للكارتل، مزوداً بأسلحة وعربات مصفحة، تشبه تلك التي تستخدمها قوات الشرطة الخاصة.
كان أوسيجرا يعتبر الأخير ضمن جيل من أمراء الحرب الذين اتبعوا نهجاً متفجراً وعنيفاً، على غرار خواكين “إل تشابو” جوزمان وإسماعيل “إل مايو” زامبادا، المسجونين حالياً.
وكانت الولايات المتحدة قد أدرجته على قائمة المطلوبين الأكثر خطورة، وعرضت مكافأة قدرها 15 مليون دولار لمن يقبض عليه.
في شبابه، هاجر أوسيجرا إلى الولايات المتحدة، حيث تم القبض عليه وسجنه وترحيله بتهمة تهريب الهيروين.
عند عودته إلى المكسيك، تورط أوسيجرا في صراعات الكارتلات. لجأ إلى ولاية خاليسكو، على ساحل المحيط الهادئ الجنوبي الغربي للمكسيك.
في عام 2009، وبالتعاون مع كارتل سينالوا، أسس “ماتا زتاس” (قاتل الزيتاس)، التي اكتسبت سمعة سيئة بعد عامين من خلال قتل العشرات من الأشخاص المرتبطين بهذه المجموعة.
لاحقاً، انفصل أوسيجرا وأسس كارتل “خاليسكو”. وبعد تسليم جوزمان وزامبادا إلى الولايات المتحدة، حوّل كارتله ليصبح الأقوى في المكسيك، متجاوزاً بذلك كارتل سينالوا الشهير من حيث المساحة التي يسيطر عليها.
استنتاج
يمثل مقتل “إل مينشو” ضربة قاصمة لكارتل “خاليسكو”، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية العنف المرتبط بالكارتلات في المكسيك. إن تاريخ البلاد الطويل مع هذه التنظيمات الإجرامية، وقدرتها على التكيف والتجدد، تجعل الطريق نحو استتباب الأمن لا يزال طويلاً وشاقاً. ستبقى ردود الأفعال المستقبلية للكارتل، وجهود الحكومة المكسيكية، والضغوط الدولية، عوامل حاسمة في تشكيل مستقبل المكسيك.
