أعلنت الجيش السوري يوم السبت عن وقف عملية عسكرية استمرت لعدة أيام في حلب، لكن القوات الكردية هناك قالت إنها لا تزال تتعرض للهجوم. هذا التطور يلقي بظلال من الشك على مستقبل الاستقرار في المدينة، ويُعيد إلى الواجهة قضية الوضع في حلب المعقدة.

تصاعد العنف وتوقف العملية العسكرية في حلب

اندلع العنف في حلب، ثاني أكبر مدينة في سوريا، يوم الثلاثاء، مع توقف جهود دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية في الحكومة السورية الجديدة. تسيطر قسد على مساحات واسعة من شمال وشمال شرق سوريا، مما يجعل هذا التطور بالغ الأهمية للمشهد السياسي والعسكري في البلاد.

وبحسب مصادر من كلا الجانبين، قُتل ما لا يقل عن 21 مدنيًا منذ بدء القتال قبل أربعة أيام. كما أفاد محافظ حلب أن 155 ألف شخص نزحوا بسبب الاشتباكات. هذا العدد الكبير من النازحين يضع ضغوطًا إضافية على البنية التحتية الإنسانية المتدهورة بالفعل في المنطقة.

أعلن الجيش السوري في بيان نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا) عن “وقف جميع العمليات العسكرية في حي الشيخ مقصود” اعتبارًا من الساعة الثالثة بعد الظهر بالتوقيت المحلي. هذا الإعلان جاء بعد أيام من القصف المتبادل والاشتباكات العنيفة بين الطرفين.

اتهامات متبادلة واستمرار الاشتباكات

على الرغم من إعلان الجيش السوري عن وقف إطلاق النار، إلا أن القوات الكردية أكدت لاحقًا أنها تصد “هجومًا شرسًا”، واتهمت الجيش بـ “محاولة صريحة لتضليل الرأي العام”. هذا التناقض في التصريحات يثير تساؤلات حول مدى التزام الجيش السوري بالوقف المعلن.

وأضاف الجيش في بيانه أن المقاتلين الكرد سيُنقلون إلى مدينة الطبقة، وهي مدينة تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا. بعد ساعات قليلة، بدأت السلطات السورية في نقل هؤلاء المقاتلين.

وذكر التلفزيون الرسمي أن “المقاتلين من قوات سوريا الديمقراطية الذين أعلنوا استسلامهم في مستشفى الياسين نُقلوا بالحافلات إلى مدينة الطبقة تحت إشراف وزارة الداخلية”. شاهد مراسل وكالة فرانس برس ما لا يقل عن أربع حافلات تقل مقاتلين، برفقة قوات أمنية، تغادر حي الشيخ مقصود.

وشنّت القوات السورية ضربات على الحي في الليلة السابقة بعد انتهاء المهلة التي حددتها للقوات الكردية للانسحاب. لكن القوات الكردية نفت مزاعم سيطرة القوات الحكومية على معظم حي الشيخ مقصود، واصفة إياها بأنها “كاذبة ومضللة”.

وأفاد الجيش السوري بمقتل ثلاثة من جنوده على يد مقاتلين أكراد. هذه الخسائر في صفوف الجيش السوري قد تكون أحد العوامل التي دفعت إلى إعلان وقف إطلاق النار.

موقف الأطراف المعنية ومستقبل الاتفاقيات

اتهمت إلهام أحمد، مسؤولة رفيعة في الإدارة الكردية في الشمال الشرقي، دمشق بـ “اختيار طريق الحرب” من خلال مهاجمة الأحياء الكردية وبـ “السعي إلى إنهاء الاتفاقيات التي تم التوصل إليها”. وأكدت التزامها بهذه الاتفاقيات وسعيها لتنفيذها. هذا التصريح يعكس قلق الإدارة الكردية من تدهور العلاقات مع الحكومة السورية.

تم التوصل إلى اتفاق لدمج القوات في مارس من العام الماضي، وكان من المفترض تنفيذه في الأشهر الأخيرة، لكن الخلافات، بما في ذلك المطالب الكردية بحكم لامركزي، أدت إلى توقف التقدم. هذه الخلافات الجوهرية تمثل عقبة كبيرة أمام تحقيق الاستقرار الدائم في المنطقة.

وفي سياق متصل، صرح المبعوث الأمريكي توم باراك يوم السبت بأنه ناقش الوضع مع وزير الخارجية الأردني، وأعرب الطرفان عن رغبتهما في “تعزيز وقف إطلاق النار، وضمان الانسحاب السلمي لقوات سوريا الديمقراطية من حلب، وضمان” سلامة المدنيين. كما دعوا إلى تنفيذ اتفاق الاندماج. هذا التدخل الأمريكي يعكس الاهتمام الدولي بالوضع في حلب، والرغبة في تجنب المزيد من التصعيد.

التحديات المستقبلية وضرورة الحل السياسي

الوضع في حلب يظل هشًا للغاية، على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار. استمرار الاشتباكات المتقطعة والاتهامات المتبادلة يشير إلى أن التوترات لا تزال مرتفعة. بالإضافة إلى ذلك، فإن قضية النازحين تمثل تحديًا إنسانيًا كبيرًا يتطلب تدخلًا عاجلاً.

من الضروري أن تلتزم جميع الأطراف بوقف إطلاق النار بشكل كامل، وأن تستأنف المفاوضات بهدف التوصل إلى حل سياسي شامل يضمن حقوق جميع المكونات السورية. كما يجب على المجتمع الدولي أن يلعب دورًا فعالًا في دعم هذه المفاوضات، وتقديم المساعدة الإنسانية اللازمة للمتضررين.

إن مستقبل سوريا يعتمد على قدرة الأطراف المتنازعة على تجاوز خلافاتها، والعمل معًا من أجل بناء دولة مستقرة ومزدهرة للجميع. الوضع في حلب هو مجرد جزء من هذا التحدي الأكبر، ولكنه جزء بالغ الأهمية. التركيز على الوضع في حلب و إيجاد حلول مستدامة له، يمثل خطوة حاسمة نحو تحقيق السلام والاستقرار في سوريا. الاستمرار في مراقبة الوضع في حلب وتقديم التحليلات الدقيقة له، أمر ضروري لفهم التطورات الجارية في البلاد.

شاركها.