في خضم التوترات العالمية والسعي الدائم للحوار بين الأديان، حظيت زيارة البابا ليو إلى تركيا باهتمام بالغ، وتحديداً زيارته التاريخية للمسجد الأزرق في إسطنبول. هذه الزيارة، التي تأتي في إطار أول رحلة خارجية للبابا منذ توليه منصبه في مايو الماضي، كانت بمثابة رسالة قوية حول الاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين المسيحية والإسلام. تعتبر هذه الزيارة مهمة جداً، وتوضح موقف الكنيسة الكاثوليكية تجاه العالم الإسلامي، وتحديداً تركيا، التي تعتبر نقطة وصل بين الشرق والغرب.

زيارة المسجد الأزرق: خطوة نحو التقارب الديني

السبت الماضي شهد لحظة فارقة عندما دخل البابا ليو إلى المسجد الأزرق الشهير في إسطنبول، خالفاً بذلك البروتوكول المعتاد بفعل شيئ بسيط ولكن يحمل معنى كبيراً، حيث قام بخلع حذائه احتراماً للمكان ولأتباع الدين الإسلامي. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل تجول داخل المسجد الذي يتسع لعشرة آلاف مصلٍّ، برفقة الإمام ومفتي إسطنبول، مستمعاً لشرح حول تاريخ المسجد ومعالمه. هذه اللفتة تعكس رغبة البابا في بناء جسور التواصل والتفاهم مع المسلمين.

تبادل الود والحديث مع المسؤولين

خلال جولته، أظهر البابا ليو ابتسامة ودية وتبادل أطراف الحديث مع المرشدين، حتى أنه ألقى نكتة عفوية مع المؤذن الرئيسي للمسجد، آسكن موسى تونجا. عند مغادرة المسجد، لاحظ البابا ليو أنهم كانوا يخرجون من باب مخصص للدخول، يحمل لافتة “لا مخرج”. فرد المؤذن تونجا بترحيب وعبارة تعبر عن الضيافة، قائلاً: “لا تحتاج إلى المغادرة، يمكنك البقاء هنا”.

أهمية الزيارة في سياق العلاقات بين الكنيسة وتركيا

تأتي هذه الزيارة في وقت حرج، وبعد قرار تحويل كاتدرائية آيا صوفيا إلى مسجد في عام 2020، وهو الأمر الذي عبّر عنه البابا فرنسيس السابق بـ”الألم الشديد”. على الرغم من ذلك، اختار البابا ليو تركيا كوجهته الأولى في الخارج، وذلك تزامناً مع الاحتفال بالذكرى السبعمائة والتاسعة والثلاثين لمجلس نيقية المسكوني، وهو المجلس الذي صاغ “الرسالة النيقية” التي لا تزال تستخدم من قبل معظم المسيحيين حول العالم. هذه الخطوة تؤكد على الأهمية التاريخية والروحية لتركيا للكنيسة الكاثوليكية. يُبرز هذا الاختيار الحوار بين الأديان كأولوية قصوى في أجندة البابا.

اليوم، يتبع البابا ليو نهجاً جديداً في التواصل، مما يجعل كل خطوة يقوم بها، وكل كلمة ينطق بها، موضع تحليل دقيق. تثير زيارته الفضول حول رؤيته للعلاقات الدولية وعلاقته بالدين الإسلامي.

غياب زيارة آيا صوفيا: هل هي رسالة ضمنية؟

من الجدير بالذكر أن البابا ليو لم يقم بزيارة كاتدرائية آيا صوفيا، التي تعتبر من أهم المعالم الدينية والتاريخية في تركيا، وذلك على عكس ما قام به الباباوات السابقون. هذا القرار أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه خطوة احتجاجية على تحويل آيا صوفيا إلى مسجد. لم يصدر عن الفاتيكان أي تعليق رسمي حول هذا الأمر حتى الآن، لكنه أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الدينية والإعلامية.

رسالة الوحدة والتعايش من تركيا

الزيارة لم تقتصر على الجانب البروتوكولي والرمزي، بل حملت رسالة مهمة حول ضرورة الوحدة والتعايش بين المسيحيين في الشرق الأوسط. خلال حفل أقيم يوم الجمعة لإحياء ذكرى مجلس نيقية المسكوني، أدانت القيادة الدينية العنف باسم الدين، ودعا المسيحيين إلى تجاوز الانقسامات العميقة التي عانى منها العالم المسيحي لقرون طويلة. اعتبر البابا ليو أن حالة عدم الوحدة بين المسيحيين، الذين يبلغ عددهم 2.6 مليار شخص حول العالم، أمر “مخجل”.

وعبر عن هذه الرؤية أمام كبار رجال الدين من تركيا ومصر وسوريا وإسرائيل. وتعتبر هذه الرسالة بمثابة دعوة صريحة لتعزيز الوحدة المسيحية في منطقة تشهد صراعات وتحديات متعددة. وبشكل عام، تهدف هذه الزيارة إلى إرساء دعائم السلام الديني في المنطقة.

الخلاصة: بداية عهد جديد للحوار؟

إن زيارة البابا ليو إلى تركيا، وتحديداً للمسجد الأزرق، تمثل خطوة هامة في سبيل تعزيز الحوار بين الأديان وبناء جسور التفاهم بين المسيحية والإسلام. على الرغم من التحديات والصعوبات، إلا أن هذه الزيارة تحمل في طياتها أملاً في مستقبل أكثر سلاماً وتسامحاً. من المنتظر أن تثير هذه الزيارة نقاشات واسعة حول دور الكنيسة الكاثوليكية في العالم، وعلاقتها بالدين الإسلامي، وكيف يمكن للقيادة الدينية أن تساهم في تحقيق السلام والوئام بين الشعوب. ستكون متابعة خطوات البابا ليو القادمة ضرورية لفهم رؤيته بشكل كامل، وتقييم تأثير هذه الزيارة على العلاقات بين الكنيسة والعالم الإسلامي.

شاركها.