فجر يوم 10 آب/أغسطس، هاجمت طائرات الاحتلال الإسرائيلي، باستخدام أسلحة أميركية متطورة، مسجداً من ثلاثة طوابق يقع في مدرسة التابعين في مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 115 نازحاً وإصابة أكثر من 150 آخرين بينهم نساء وأطفال.
على مدى الأسبوعين الماضيين، قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي ما لا يقل عن 14 مدرسة تستخدم كملاجئ للاجئين، مما أسفر عن مقتل وجرح المئات من النازحين، لكن الهجوم على مدرسة التابعين كان الأسوأ. في الواقع، كان أحد أسوأ المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء الإبادة الجماعية في غزة في أكتوبر/تشرين الأول.
لقد أثارت المجزرة استنكاراً إقليمياً ودولياً، ولكن كما هي العادة، لم يكن ذلك سوى كلام فارغ. أما إسرائيل، فقد بررت الهجوم واحتفت به باعتباره إنجازاً عسكرياً وانتصاراً. ولكن كيف؟ بكل بساطة من خلال الكذب، والعالم، كما هي العادة، مضطر إلى قبول الأكاذيب الإسرائيلية دون أدنى شك.
وفي مقطع فيديو مسجل نشر على موقع “إكس”، أعلن متحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي مسؤوليته عن الهجوم على مسجد المدرسة، قائلاً إنه تم استهداف “مركز قيادة وسيطرة لحماس” لأنه يقع في المدرسة. وذكر أن “الضربة نفذت باستخدام ثلاث ذخائر دقيقة” لم تسبب أضرارًا كبيرة.
وزعم أن “مكتب الإعلام الحكومي الذي تديره حماس في غزة” أبلغ عن أضرار مبالغ فيها في المدرسة. وقال أيضًا إنه “قبل الضربة، تم اتخاذ العديد من الخطوات للتخفيف من خطر إلحاق الأذى بالمدنيين، بما في ذلك استخدام رأس حربي صغير، والمراقبة الجوية، والمعلومات الاستخباراتية”.
اقرأ: فشل دبلوماسي مخزٍ لمجموعة الدول السبع بشأن جرائم الحرب في غزة
لكن ما حدث يثبت أن جيش الاحتلال الإسرائيلي كان ينوي إيقاع ضحايا مدنيين، ورغم تأكيد المتحدث أن الجيش استخدم الاستطلاع الجوي والمعلومات الاستخبارية، إلا أنه قصف المنطقة في وقت معروف بصلاة الجماعة، لضمان وقوع أكبر عدد من الضحايا.
ألم تظهر صور الاستطلاع الجوي والمعلومات الاستخبارية لجيش الاحتلال أن الوقت كان وقت صلاة الفجر؟ أو أن أكثر من ثلاثمائة شخص كانوا مجتمعين في المسجد؟ لا شك أنها كانت كذلك، ولهذا السبب تم اختيار ذلك الوقت والمكان لزيادة عدد الضحايا.
ثم ادعى المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن 19 شخصا من بين القتلى هم من نشطاء حماس والجهاد الإسلامي. فهل من المبرر ضرب مجموعة من 300 مدني من أجل قتل 19 شخصا “مطلوبا”؟ لقد دحض مرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان هذا الادعاء الإسرائيلي وأثبت أنه كذبة قذرة.
وذكر المرصد الأورومتوسطي أن المدرسة كانت توفر المأوى لأكثر من 2500 نازح في مدينة غزة، مضيفاً أن “ثلاثة من أصل 19 اسماً أدرجهم الجيش الإسرائيلي باعتبارهم “إرهابيين تم القضاء عليهم” في مذبحة مدرسة الطبايب كانوا قد قُتلوا بالفعل في هجمات قصف إسرائيلية سابقة”.
هل يدق نتنياهو طبول الحرب بتنفيذ عمليات اغتيال؟ – كاريكاتير (سباعنة/ميدل إيست مونيتور)
وبالإضافة إلى ذلك، كان من بين الضحايا أيضًا “ثلاثة مدنيين مسنين لم تكن لهم أي صلة بالعمل العسكري، بما في ذلك مدير مدرسة … ومعلم لغة عربية … وستة مدنيين، بعضهم من معارضي حماس”.
وقال المرصد الأورومتوسطي إن إيهاب الجعبري، وهو أحد الأشخاص التسعة عشر الذين زعمت قوات الاحتلال الإسرائيلي أنهم “إرهابيون” استهدفتهم في الغارة الجوية على المدرسة، قُتل برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في 5 ديسمبر/كانون الأول 2023 أثناء فراره من منزله مع عائلته.
وهذه ليست المرة الأولى التي يكذب فيها مسؤول إسرائيلي، فقد قدم اللواء الاحتياط يتسحاق بريك أدلة على أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تعيش أزمة في قطاع غزة، في حين أن كل التصريحات والرسائل التي ينشرها كل المسؤولين الإسرائيليين حول الإنجازات والانتصارات كاذبة.
وفي أعقاب التوغل البري الإسرائيلي الأخير في حي جباليا بمدينة غزة، زعم الجيش الإسرائيلي مقتل 300 مقاتل فلسطيني. وفي مقال نشرته وسائل الإعلام العبرية، نقل بريك عن جندي إسرائيلي كان في ساحة المعركة، تساءل كيف يمكن أن يكون هذا الرقم منطقيا في حين أن قوات الاحتلال لم تر أي مقاتلين فلسطينيين على الأرض، مؤكدا أن الجيش يكذب.
اقرأ: جريمة جو بايدن ضد الإنسانية
وتساءل بريك أيضا عن مصداقية ادعاءات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حول مقتل 900 مقاتل فلسطيني في رفح، وأكد أن “كل” التصريحات والادعاءات التي أطلقها الجيش الإسرائيلي والمسؤولون الإسرائيليون هي كذب.
وأكد بريك أن “الجيش الذي يعيش على الأكاذيب لا يحقق النصر”، متهماً المراسلين بتحويل “الإخفاقات الفادحة إلى نجاحات وهمية”، ويتلقون الأكاذيب من المتحدثين باسم الجيش ولا ينقلون إلا الأكاذيب.
وفي يوم السبت، أعلنت إسرائيل القناة 14 “وأشار التقرير إلى أن “الوضع في غزة بعيد كل البعد عن النصر. ونحن مندهشون من التصريحات المتكررة التي يطلقها كبار الضباط العسكريين الذين يتحدثون عن النصر القريب”.
ليس فقط المسؤولون السياسيون والعسكريون هم الكاذبون في إسرائيل، بل إن المشرعين أيضاً كاذبون، والبرلمان الإسرائيلي هو مكان لشرعنة الكذب.
وفي يوم الأحد، نشر إيتاي إبشتاين، وهو مستشار إسرائيلي كبير في مجال حقوق الإنسان والسياسة، على موقع X: “أثناء ظهوره أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في البرلمان الإسرائيلي هذا الصباح، ورد أن المدعي العام العسكري أشار إلى التحقيق في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين باعتباره “جهداً لحمايتهم والقوات المسلحة من المحاكم الدولية”.
عاجل: الظهور أمام #إسرائيلي أفادت لجنة الشؤون الخارجية والدفاع النيابية صباح اليوم أن النائب العام العسكري أحال التحقيق في تعذيب #فلسطيني المعتقلين باعتبارهم “جهداً لحمايتهم وحماية القوات المسلحة من الهجمات الدولية”. pic.twitter.com/TRZwrb4jID
— إيتاي إبشتاين (@EpshtainItay) 11 أغسطس 2024
وتعود أكاذيب إسرائيل إلى ما قبل قيام دولة الاحتلال، إذ تدعي أن فلسطين “أرض بلا شعب”.
لقد بنيت دولة الاحتلال الإسرائيلية على الأكاذيب، وكانت تكذب وستستمر في الكذب لأن قول الحقيقة يضر بشرعيتها الزائفة.
الآراء الواردة في هذه المقالة تعود للمؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع ميدل إيست مونيتور.
