الغموض يلف نوايا ترامب تجاه إيران: تهديدات وتطمينات متضاربة أمام انقسام ديمقراطي

تتصاعد حدة القلق في الأوساط السياسية الأمريكية بشأن التوجهات المحتملة للرئيس دونالد ترامب تجاه إيران. ففي الوقت الذي تبدو فيه الحكومة الأمريكية وكأنها تلوح بخيار الضربات العسكرية، تتوالى إشارات متناقضة تجمع بين التهديدات الصريحة والرغبة المعلنة في الحوار، مما يلقي بظلال من الشك حول المبررات المعلنة لأي تدخل عسكري محتمل. وفيما يراقب الكونغرس الأمريكي التطورات بقلق، يطالب الديمقراطيون باستشارة المجلس التشريعي قبل أي قرار حربي، مما يضيف بعدًا آخر للتعقيد الذي يحيط بمسألة العلاقات الأمريكية الإيرانية.

مفاوضات جنيف: تقدم أم تكتيك؟

اختتمت جولة ثالثة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف، وسط تفاؤل حذر عبرت عنه سلطنة عمان، الوسيط في هذه المباحثات، بالإشارة إلى “تقدم كبير” تم إحرازه. ومع ذلك، فإن شبح الصراع المحتمل يلقي بظلاله الثقيلة على العاصمة واشنطن، مانعًا التباهي الكامل بهذا التقدم.

وقد أكد الرئيس ترامب مرارًا على تفضيله للمسار الدبلوماسي، لكنه لم يخفِ استعداده للأمر بتنفيذ ضربات محدودة في حال فشل التوصل إلى اتفاق. هذه التهديدات لا تأتي من فراغ، بل تدعمها قوة عسكرية أمريكية ضخمة تم نشرها في الشرق الأوسط، مما يثير قلق حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

تناقض المواقف حول البرنامج النووي والصاروخي

يبدو أن هناك حالة من عدم اليقين تكتنف الموقف الأمريكي الرسمي تجاه التوترات الأمريكية الإيرانية. فبينما يسعى البيت الأبيض إلى إظهار وجهين متناقضين، تظهر تصريحات المسؤولين الأمريكيين انقسامات واضحة.

وفي تصريح له الأربعاء، بدا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وكأنه يقلل من التوقعات بشأن نتائج اجتماع جنيف، مشيرًا إلى أن “في نهاية المطاف، سيتعين علينا إجراء محادثات حول ما هو أبعد من البرنامج النووي”. وأضاف روبيو للصحفيين أن “الإصرار الإيراني على عدم مناقشة صواريخ باليستية يمثل مشكلة كبيرة للغاية”.

هذا التباين في الخطاب الداخلي والخارجي يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للإدارة الأمريكية. ففي خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه أمام الكونغرس الثلاثاء، أشار ترامب إلى “الطموحات النووية الشريرة” لإيران، واتهم طهران بالسعي لتطوير أسلحة يمكن أن تصل إلى الولايات المتحدة.

لكن تقريرًا صادرًا عن خدمة الأبحاث في الكونغرس عام 2025، يشير إلى أن مدى ترسانة إيران من الصواريخ متوسطة المدى يبلغ 3000 كيلومتر على أقصى تقدير، وهو مدى لا يكفي للوصول إلى الأراضي الأمريكية.

اتهامات متبادلة وتقييمات متضاربة

أما بالنسبة لقضية تخصيب اليورانيوم، فما زالت رسالة إدارة ترامب حول هذا الموضوع تحمل حالة من الارتباك. فقد صرح روبيو بأن إيران “لا تقوم بالتخصيب حاليًا، لكنها تحاول الوصول إلى النقطة التي يمكنها فيها ذلك”.

في المقابل، قال المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي شارك في محادثات جنيف، يوم السبت على قناة فوكس نيوز، إن إيران وصلت إلى حوالي 60% من تخصيب اليورانيوم، وأنها “ربما على بعد أسبوع من امتلاك مادة صناعية لصنع قنبلة”. هذا التصريح يتناقض بشكل صارخ مع ادعاءات ترامب المتكررة بأن القوات الأمريكية دمرت البرنامج النووي الإيراني بضربات جوية وصاروخية في يونيو الماضي.

الكونغرس الأمريكي: خارج دائرة القرار؟

يشعر الديمقراطيون في الولايات المتحدة بأن الهيئة التشريعية المنتخبة، وهي الجهة الوحيدة المخولة دستوريًا بإعلان الحرب، يتم تهميشها عمدًا. فقد أعرب زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، يوم الخميس، عن خيبة أمله قائلاً: “الجميع يسأل ما هي الخطة فيما يتعلق بإيران، ونحن جميعًا نبحث عن إجابات رفضت الإدارة تقديمها”.

وطالب شومر الإدارة “بالتحدث بصراحة وإخبار الشعب الأمريكي بالضبط ما هو الهدف في إيران”. وقد اجتمع كبار قادة الكونغرس خلف أبواب مغلقة الثلاثاء في البيت الأبيض مع روبيو، قبيل خطاب ترامب أمام الكونغرس.

وفي محاولة لاستعادة الدور الدستوري للكونغرس، يعتزم المشرعون الديمقراطيون الضغط من أجل إجراء تصويت الأسبوع المقبل في مجلس النواب، الخاضع لسيطرة الجمهوريين، على قرار يلزم ترامب بتقديم مبررات واضحة للكونغرس قبل أي تحرك عسكري ضد إيران.

مستقبل العلاقات بين البلدين

إن الجدل الدائر حول مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية والمسار الذي ستتخذه، لا يزال مفتوحًا على كافة الاحتمالات. فبين التهديدات العسكرية المتصاعدة، والمفاوضات المفتوحة، والانقسامات الداخلية، يظل مصير هذا الملف الغامض معلقًا بأجنحة الأقدار، في ظل ترقب عالمي لما ستسفر عنه الأيام القادمة.

وفي الختام، يتطلب الوضع الحالي شفافية أكبر من قبل الإدارة الأمريكية، وحوارًا بناءً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، لضمان اتخاذ قرارات تصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي والاستقرار الإقليمي والدولي.

شاركها.