يشهد قطاع اقتصاد المبدعين تحولاً ملحوظاً، حيث يحقق المبدعون أرباحاً كبيرة من الإعلانات، ولكن هذه الثروة تتوزع بشكل متزايد عدم المساواة. تُظهر بيانات جديدة من منصة تسويق المؤثرين CreatorIQ اتساع الفجوة في الدخل داخل هذا القطاع، مما يثير تساؤلات حول العدالة والاستدامة في توزيع الأرباح. هذا التطور يؤثر على مستقبل العمل الرقمي وفرص النمو للمبدعين الجدد.

وفقاً لبيانات CreatorIQ، حصل أفضل 10% من المبدعين على 62% من مدفوعات الإعلانات في عام 2025، مقارنة بـ 53% في عام 2023. وبالمثل، حصل أفضل 1% على 21% من إجمالي حجم مدفوعات الإعلانات، بزيادة من 15% في عام 2023. تستند هذه النتائج إلى تحليل CreatorIQ لـ 65,000 عملية دفع على مدى ثلاث سنوات، بين العلامات التجارية والوكالات والمبدعين الذين تلقوا مدفوعات ثابتة من خلال برامجها.

تزايد الفجوة في دخل المبدعين

تعكس هذه البيانات نمطاً عاماً في اقتصاد المبدعين. ففي حين أن العلامات التجارية تزيد إنفاقها على التسويق عبر المبدعين، إلا أن الجزء الأكبر من هذه الأموال يتدفق نحو عدد قليل من الأسماء الكبيرة. تشير تقارير إلى أن الإنفاق الإعلاني على المبدعين في الولايات المتحدة من المتوقع أن يصل إلى 37 مليار دولار في عام 2025، وفقاً لتقرير صادر عن مكتب الإعلانات التفاعلي (IAB) في نوفمبر.

ومع ذلك، فإن هذا النمو لا يترجم إلى ازدهار متساوٍ للجميع. يعتمد العديد من المبدعين على مصادر دخل أخرى، مثل الاشتراكات أو المدفوعات المباشرة من المنصات مثل يوتيوب، بالإضافة إلى التسويق بالعمولة. لكن الرعاية من العلامات التجارية تظل المصدر الرئيسي للإيرادات لمعظمهم.

ترى جاسمين إنبيرج، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة Scalable، وهي شركة إعلامية جديدة تركز على اقتصاد المبدعين، أن هذه الأرقام تشير إلى أن الصناعة بدأت تشبه صناعة الترفيه التقليدية، حيث يحصد كبار النجوم الجزء الأكبر من الأرباح، بينما يتنافس الآخرون على الفتات. وتضيف أن هذه الفجوة ستزداد اتساعاً مع حصول المبدعين الكبار على مشاريع أكبر، مثل الحملات التلفزيونية أو الصفقات مع Netflix.

العوامل المؤثرة في توزيع الأرباح

تساهم عدة عوامل في هذه الفجوة المتزايدة. تميل العلامات التجارية الكبرى إلى تخصيص ميزانياتها لأصحاب النفوذ الأعلى، الذين يعتبرون أقل خطورة وأكثر قدرة على تحقيق عائد استثمار كبير. بالإضافة إلى ذلك، يلاحظ خبراء الصناعة أن جزءاً كبيراً من ميزانيات الإعلان يتم إنفاقه مباشرة من خلال منصات التواصل الاجتماعي، مما يحد من قدرة المبدعين، وخاصة الأصغر منهم، على بناء علاقات مباشرة وطويلة الأمد مع العلامات التجارية.

يشير كايل هيلميسيث، الرئيس التنفيذي لشركة G&B Digital Management، إلى أن الميزانيات نمت بالتأكيد، لكنها لم تواكب التوسع الهائل في عدد المبدعين. ويوضح أن هناك الآن عدداً كبيراً من الحسابات الصغيرة التي قد تقبل 25 دولاراً أمريكياً مقابل منشور واحد.

من جهتها، تقول بيكا باهركي، الرئيس التنفيذي لشركة Illuminate Social، وهي شركة لإدارة المبدعين، إن بيانات CreatorIQ تعكس ما تراه بين عملائها. وتشير إلى أنها شهدت بعض المبدعين بدوام كامل يتجهون إلى وظائف أخرى بسبب صعوبة تحقيق دخل مستدام. وتضيف: “قد تكون قد حققت أكثر من 400,000 دولار في عام واحد، ولكن إذا لم تظهر باستمرار على المنصة وتعاملها كوظيفة بدوام كامل، فقد ترى أرباحك تنخفض. إنه عمل شاق، وليس للأشخاص الذين يفتقرون إلى المثابرة.”

تُظهر استطلاعات الرأي التي أجرتها CreatorIQ أن 11% فقط من المبدعين يكسبون 100,000 دولار أو أكثر. حوالي ربع المبدعين الذين شملهم الاستطلاع يقعون في فئة “50,000 دولار إلى 100,000 دولار” وفئة “25,000 دولار إلى 50,000 دولار”.

التسويق عبر المؤثرين يشهد نمواً كبيراً، ولكن يجب معالجة مسألة توزيع الأرباح بشكل عادل لضمان استدامة هذا القطاع. المنصات الرقمية تلعب دوراً حاسماً في هذا التوزيع، ويمكنها المساهمة في خلق فرص أكثر للمبدعين الصغار.

تؤكد بريت ستار، مديرة التسويق في CreatorIQ، على ضرورة تمكين العلامات التجارية من تنويع استثماراتها بشكل أكثر ثقة. وهذا يشمل البحث عن المبدعين المتخصصين في مجالات معينة، والذين قد لا يتمتعون بنفس الشهرة التي يتمتع بها كبار النجوم، ولكنهم قادرون على الوصول إلى جمهور مستهدف بشكل فعال.

من المتوقع أن تستمر المناقشات حول توزيع الأرباح في اقتصاد المنصات. ستراقب الصناعة عن كثب التطورات التنظيمية المحتملة التي قد تؤثر على العلاقة بين العلامات التجارية والمبدعين. كما سيكون من المهم تتبع كيفية استجابة المنصات الرقمية لهذه التحديات، وما إذا كانت ستتبنى سياسات جديدة لتعزيز الشفافية والعدالة في توزيع الإيرادات.

شاركها.