في خطوة مفاجئة هزت أوساط التكنولوجيا والإعلام، أعلنت شركة OpenAI، عملاق الذكاء الاصطناعي، الأسبوع الماضي عن استحواذها على TBPN، وهي منصة بث مباشر للحوارات التقنية. يأتي هذا الاستحواذ بعد فترة شهدت فيها OpenAI تعديلات استراتيجية، بما في ذلك إيقاف تطوير أدوات مثل Sora لتطبيقات الفيديو، وتأجيل خطط إطلاق محادثات ذات طبيعة حساسة. يطرح هذا التحرك تساؤلات حول دوافع OpenAI وراء دخولها عالم الإعلام، خاصة مع تركيزها المعلن على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
يعتبر استحواذ OpenAI على TBPN صفقة تثير الدهشة والتساؤلات في آن واحد. فقد وصف المؤسسان المشاركان لـ TBPN، جون كوجان وجوردي هايز، الصفقة بأنها “حقيقية” و”مثيرة للاهتمام”، مؤكدين أنها ليست مزحة، رغم الانتشار الواسع لهذا الانطباع الأولي. يجد الكثيرون سبباً للتعجب حول سرعة بيع كوجان وهايز لشركتهما الناشئة، والتي شهدت ازدهاراً كبيراً في العام الماضي، وتساؤلات حول سبب قيام شركة سام ألتمان بشراء عمل إعلامي بدلاً من التركيز على أعمالها الأساسية في مجال الذكاء الاصطناعي.
OpenAI تستحوذ على TBPN: تحول استراتيجي نحو المحتوى
قد تكون هناك استراتيجيات معقدة أو خطط بعيدة المدى وراء هذا الاستحواذ، إلا أن الظاهر يشير إلى تفسير أبسط. يرى محللون أن كوجان وهايز قد اختارا البيع الآن، بالتزامن مع بداية بناء نموذج إعلاني قوي، بسبب الصعوبات الكامنة في تأسيس وتنمية نشاط إعلاني ناجح. وبانتقالهما إلى OpenAI، يبدو أنهما يتخلصان من هذا التحدي. أما بالنسبة لـ OpenAI، فيمكن تفسير هذه الخطوة بأنها “مق’د’رة”، حيث أن تشغيل برنامج حواري عبر الإنترنت لا يتطلب موارد حسابية ضخمة مثل مشاريع Sora، كما أنه أقل عرضة للمخاطر التنظيمية أو السياسية أو المتعلقة بالعلامة التجارية مقارنة بمبادرات أخرى.
بالنظر إلى حجم الاستثمار، تشير تقارير، نقلاً عن مصادر مطلعة، إلى أن قيمة الصفقة تقدر بـ “مئات الملايين المنخفضة”، وهو مبلغ لا يعتبر كبيراً مقارنة بالتمويلات الضخمة التي حصلت عليها OpenAI، والتي تجاوزت 122 مليار دولار، وتقييمها الحالي الذي يتجاوز 850 مليار دولار. هذا يؤكد أن الجانب المالي للصفقة، على الرغم من كونه كبيراً، لا يمثل عبئاً مالياً ضخماً على OpenAI.
الأبعاد الاستراتيجية لمحاولة OpenAI
لم يكن الدخل الإعلاني المتوقع لـ TBPN، والذي يقدر بـ 30 مليون دولار هذا العام، ذا أهمية كبيرة لطموحات OpenAI المالية، التي تهدف إلى تحقيق إيرادات تصل إلى 280 مليار دولار بحلول عام 2030. ومن المفارقات أن TBPN، بعد استحواذ OpenAI عليها، ستنسحب من قطاع الإعلانات بالكامل.
أشادت فيجي سيمو، المسؤولة في OpenAI، في إعلان الصفقة، بـ “قدرات التواصل والتسويق المذهلة” لدى كوجان وهايز، وذكرت أنهما سيخضعان للإشراف المباشر لكريس ليفان، المسؤول البارز عن السياسات والاستراتيجية في الشركة. وعلى الرغم من أن المؤسسين سيستمرون في إنتاج حلقات TBPN اليومية، إلا أن طبيعة الصفقة تشبه “الاستحواذ على المواهب” (acquihire) حتى وإن لم تعطَ بهذه التسمية.
يبدو أن OpenAI اشترت TBPN لأنها تقدر فكرة امتلاك برنامج حواري يتسم بالتفاؤل المستمر تجاه قطاع التكنولوجيا بشكل عام والذكاء الاصطناعي بشكل خاص. كما ترى الشركة في كوجان وهايز أصولاً قيمة للتواصل مع العالم الخارجي، ربما يكونون مفيدين في التعامل مع الجهات التنظيمية المتشككة أو المعلنين.
TBPN: نموذج إعلامي جديد؟
بالرغم من غرابة قيام شركة تكنولوجيا رائدة بالاستحواذ على شركة تنتج أخباراً تقنية، إلا أن كوجان وهايز أكدا أن تركيزهما ينصب على مناقشة الأخبار المتداولة بدلاً من اكتشافها أو تقديمها حصرياً. وهذا يمنحهم ميزة تتمثل في عدم إثارة مشاكل مع الشركات التي يغطونها، وهي ميزة ساهمت في استقطاب شخصيات بارزة مثل الرئيس التنفيذي لشركة Palantir، أليكس كارب، والسماح لهم بإعداد استوديو مؤقت في مقر Meta العام الماضي لإجراء مقابلات مع مارك زوكربيرج وفريقه.
تم التأكيد على أن TBPN ستتمتع باستقلالية تحريرية عن ملاكها الجدد، وهو أمر مكتوب في عقودهم. ومع ذلك، من المتوقع أن تحافظ TBPN على نهجها الإيجابي تجاه شركات التكنولوجيا، لا سيما في ظل استمرار صعود أسواق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. يعتمد نجاح TBPN على تزايد اهتمام الشخصيات البارزة في عالم التكنولوجيا بظهور ضيوف آخرين من نفس القطاع.
يُعد الصعود السريع لـ TBPN دليلاً إضافياً على إيمان البعض بإمكانيات البث المباشر كشكل إعلامي مستقبلي. وعلى الرغم من أن جمهور TBPN المباشر ليس ضخماً، إلا أن طبيعة البرنامج تتيح إنتاج ثلاث ساعات من المحتوى يمكن تقطيعها وإعادة نشرها عبر الإنترنت بأشكال مختلفة. هذه الاستراتيجية، المتمثلة في تقسيم المحتوى الكبير إلى أجزاء صغيرة قابلة للمشاركة عبر منصات متعددة، ليست جديدة، ولكنها تجذب حالياً اهتماماً متزايداً من قبل العاملين في مجال الإعلام.
فيما يتعلق بالخطوات المستقبلية، من المتوقع أن يستمر كوجان وهايز في إنتاج المحتوى الخاص بـ TBPN، بينما تراقب OpenAI عن كثب كيفية دمج هذا الاستحواذ ضمن استراتيجيتها الأوسع. سيبقى السؤال الأهم هو كيف ستستفيد OpenAI من هذا الاستثمار الجديد في بناء صورتها والتواصل مع أصحاب المصلحة، وما إذا كان هذا التحول نحو المحتوى سيشكل بداية لمرحلة جديدة للشركة.
