في ظل أجواء من عدم اليقين تتسم بانتشار الشائعات حول الذكاء الاصطناعي، وتسجيل شهر يناير لأعلى نسبة تسريح عمال منذ عام 2009، وتزايد الاضطرابات السياسية، يبدو أن الحنين إلى الماضي أصبح سمة سائدة على الإنترنت. يميل الكثيرون إلى استعادة ذكريات الأوقات الأبسط بدلاً من التطلع إلى المستقبل، حيث تحتفي وسائل التواصل الاجتماعي بالعام 2016 باعتباره “عام الحنين” الجديد، مع مشاركة صور قديمة وإعلان أن العام الحالي سيكون بمثابة تجسيد جديد لعام 2016، مصحوبة بأغانٍ صدرت في تلك الفترة.

لكن هذا الاتجاه يتجاوز مجرد استعادة أحداث عام 2016، فقد أطلق خبراء على العام الحالي لقب “عام التناظرية” (analog). لا يتعلق الأمر هنا بمحاولة عيش الحياة كما في عام 2016، بل بالعودة إلى زمن يتجاوز ذلك، ربما إلى عام 2006 أو حتى 1996. ويتجلى هذا الحنين التكنولوجي في منشورات حديثة على منصات مثل Reddit، حيث يتساءل المستخدمون: “ما هو الشيء الفاخر الذي كان قبل 20 عاماً وأصبح اليوم بلا قيمة تقريباً؟”.

ظاهرة الحنين إلى التكنولوجيا القديمة

شهدت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها Reddit، نقاشات واسعة النطاق حول الأجهزة والتقنيات التي كانت تعتبر رفاهية في الماضي وأصبحت اليوم في حكم العدم. هذه النقاشات، التي امتدت لعدة أشهر، استقطبت آلاف التعليقات، مما يعكس مدى انتشار هذه الظاهرة.

من بين العناصر التي يذكرها المستخدمون بكثرة، نجد أجهزة تحديد المواقع الشخصية المحمولة (GPS)، والكاميرات الرقمية، ومشغلات iPod، وحتى دفع المال مقابل نغمات رنين مبتكرة. يتذكر أحد مستخدمي Reddit أنه دفع 700 دولار مقابل جهاز GPS محمول في عام 2003، معتبراً إياه “أفضل شراء على الإطلاق” لمساعدته في التغلب على مشاكله في تحديد الاتجاهات، خاصة قبل انتشار خرائط الهواتف الذكية.

وتعلق إحدى المستخدمات قائلة: “نغمات الرنين! كنت تدفع 8.50 دولار للحصول على مقطع من 5 ثوانٍ لأغنية ‘Lose Yourself’ كنغمة رنين. كان الناس يتفاخرون بنغماتهم”. في منشور آخر، يستعيد أحد المستخدمين ذكرياته مع أقراص التخزين USB، حيث يتذكر أنه في الصف الخامس الابتدائي، كان شريحة ذاكرة بسعة 512 ميجابايت مدرجة ضمن المستلزمات المطلوبة، وأن معلمه قال له إنها “أكثر مما ستحتاجه لبقية حياتك”.

كما حظيت أجهزة PalmPilot، وهواتف BlackBerry، وأجهزة تلفزيون البلازما، وبطاقات الذاكرة SD بذكر متكرر في هذه النقاشات. اللافت للنظر هو أن بعض هذه القطع التكنولوجية، مثل الكاميرات الرقمية، تشهد حالياً “إعادة ميلاد” كرموز للمكانة الاجتماعية، تعكس رغبة جيل يبحث عن الأصالة في عالم رقمي.

جيل الألفية والجيل زد يتجه نحو “التناظرية”

كجزء من هذا التوجه نحو الابتعاد عن العالم الرقمي، يرفض العديد من جيل الألفية والجيل زد التكنولوجيا الجديدة. تشمل هذه الممارسات “تجميد” الهواتف الذكية، أي حظر تطبيقات ومواقع معينة، والتركيز على الهوايات التي تتطلب تفاعلاً مباشراً. كتبت كاثرين جيزر-مورتون مقالاً في مجلة “The Cut” وصفت فيه العام الحالي بأنه عام “زيادة الاحتكاك” (friction-maxxing)، وهو رفض للراحة الرقمية المفرطة التي يتيحها لنا الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، والتي ترى أنها تبعدنا عن جوهر الحياة.

يبدو الأمر كما لو أن المستهلكين يتوقون إلى زمن كانت فيه التكنولوجيا مصممة لخدمتهم، بدلاً من أن تجعل حياتهم أكثر تعقيداً. يقول توماس روليت، أستاذ علم الاجتماع التنظيمي والقيادة في جامعة كامبريدج، لـ “Business Insider”: “بعد فترة من اليقظة الشديدة والحماس تجاه الذكاء الاصطناعي، نحن الآن نشهد تراجعاً”. وأضاف: “لقد أصبحت الأداة متاحة للجميع وأصبحت طبيعية، ويدرك الناس أنها لم تجعل عملهم أسهل أو أقل كثافة – بل على العكس تماماً”.

ويتابع روليت: “لذلك، من الطبيعي أن نجد موظفين من الجيل زد – الذين سيمرون طوال حياتهم المهنية باستخدام هذه الأدوات – يشعرون بخيبة الأمل”. هذا الشعور بخيبة الأمل يتفاقم مع التوقعات المتشائمة لبعض المديرين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا والخبراء، الذين يتنبأون بأن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى “حرب بيضاء” مع تسريح ملايين العمال، أو أن أولئك الذين يعيشون بدون نظارات ذكية قد يكونون في “وضع إدراكي ضعيف”.

في خضم هذه الأوقات المليئة بعدم اليقين، أصبح الابتعاد عن العالم الرقمي علامة مميزة للمكانة. يشير هذا الاتجاه إلى تحول في القيم، حيث يبحث الناس عن تجارب أكثر واقعية وتفاعلاً في حياتهم اليومية، بعيداً عن الإغراق الرقمي الذي أصبح سمة غالبة.

في الختام، يبدو أن الاتجاه نحو “التناظرية” ليس مجرد نزعة عابرة، بل هو رد فعل منطقي على التطورات التكنولوجية المتسارعة والضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وبينما تستمر النقاشات حول مستقبل التكنولوجيا ودور الذكاء الاصطناعي، سيبقى التركيز على “الحنين إلى الماضي” و”التناظرية” مؤشراً مهماً على ما يبحث عنه الناس في حياتهم. الخطوة التالية قد تتمثل في مزيد من الابتكارات التي تتيح للمستخدمين استعادة السيطرة على علاقتهم بالتكنولوجيا، مع التركيز على إيجاد توازن صحي بين العالم الرقمي والتجربة الإنسانية الأصيلة.

شاركها.