يشير الخبير الاقتصادي البارز محمد العريان إلى مسار يعتري احتمالاته الصعوبات أمام الأسواق والاقتصاد الأمريكي. يرى العريان أن فكرة “التفوق الأمريكي” – المفهوم القائل بأن الأسواق والاقتصاد في الولايات المتحدة سيستمران في التفوق على بقية العالم من حيث العوائد والنمو الاقتصادي – تواجه تحديات متزايدة. هذه التحديات استمدت قوتها من فترة أسعار الفائدة المنخفضة والسيولة الوفيرة التي سادت الأسواق في السنوات الأخيرة.
تحديات أمام التفوق الاقتصادي الأمريكي
أوضح العريان، الذي شغل سابقًا منصب الرئيس المشارك للاستثمار في PIMCO، أن المستثمرين أصبحوا مبرمجين على “شراء الانخفاضات” في الأسواق، وهي استراتيجية ساهمت في دفع الأسهم إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. فعلى الرغم من التوترات المستمرة في الشرق الأوسط، سجل مؤشر S&P 500 إغلاقًا قياسيًا جديدًا فوق 7,200 نقطة، منهيًا شهر أبريل بأفضل أداء له منذ عام 2020.
“السؤال المهم الذي يواجهنا للمضي قدمًا هو ما إذا كانت هذه العملية يمكن أن تستمر بالتقييمات الحالية،” أشار العريان. “فالاقتصاد والأسواق يحملان ‘عبئًا’ كبيرًا من فترة تميزت بالمال الرخيص والوفير، مدفوعًا بسياسات مالية ونقدية مفرطة في التباين.”
يشير العريان إلى أن عصر الأموال الرخيصة قد انتهى قبل عدة سنوات مع بدء الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة وتشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم. ورغم أن البنك المركزي لا يزال في طور التيسير، إلا أن مخاوف التضخم عادت إلى الواجهة مع ارتفاع أسعار النفط بسبب التوترات الجيوسياسية.
ويعتقد العريان أن هناك “حدًا” للمسافة التي يمكن أن تبتعد بها الولايات المتحدة عن الاقتصاد العالمي، في إشارة إلى تفوق النمو الاقتصادي الأمريكي. ولفت الانتباه إلى “التحديات الجيواقتصادية المتزايدة” مع دخول الصراع في المنطقة شهره الثالث. “بعد ركوب موجة مربحة للغاية، قد يكون الوقت قد حان للمستثمرين للتركيز بشكل أكبر على التموضع النسبي بدلاً من توسيع نطاق المخاطرة المطلقة.”
لا يزال الحماس للأسهم مرتفعًا، لكن هناك العديد من المخاوف الاقتصادية التي تلقي بظلالها على الأسواق، خاصة مع استمرار النزاع في الشرق الأوسط. الخوف الرئيسي هو أن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يؤدي إلى زيادة التضخم، مما يهدد الاقتصاد في وقت بدأ فيه النمو بالتباطؤ بالفعل. في شهر مارس، أعرب العريان عن اعتقاده بأن الضرر الاقتصادي الناجم عن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وصل إلى “نقطة حرجة”، حيث بدأت المناطق حول العالم تشعر بآثار نقص إمدادات النفط.
تحذيرات من فقدان الميزة التنافسية
تتزايد المخاوف على مدى العام الماضي بشأن فقدان الولايات المتحدة لميزتها في الأسواق مقارنة ببقية العالم. في تقرير صدر العام الماضي، أعربت “جولدمان ساكس” عن اعتقادها بأن عوائد السوق الأمريكية قد تتخلف عن نظيراتها العالمية خلال العقد القادم. كما ألمح محللون في “بنك أوف أمريكا” و”أبولو” إلى فكرة أن عوائد مؤشر S&P 500 قد تكون شبه مسطحة على مدى السنوات العشر القادمة، وهي فكرة غالبًا ما تُعرف بـ “عقد ضائع” للسوق الأمريكية.
يحمل الاقتصاد الأمريكي معه إرثًا من فترة تميزت بالسياسات النقدية والمالية المتساهلة، والتي ساهمت في دفع تقييمات الأصول إلى مستويات مرتفعة. مع انتقال العالم إلى بيئة ذات تكلفة اقتراض أعلى، تواجه الأسواق الأمريكية ضغوطًا متزايدة. سيكون من المهم مراقبة كيفية استجابة الاقتصاديين والمتداولين لهذه التغيرات، لا سيما مع استمرار عدم اليقين الجيوسياسي وتأثيره على أسعار الطاقة والتضخم.
في الختام، يواجه الاقتصاد والأسواق الأمريكية مرحلة انتقالية تتسم بالتعقيد. بينما سجلت مؤشرات الأسهم مستويات قياسية، فإن التحديات الأساسية المتعلقة بالتضخم وأسعار الفائدة والتوترات الجيوسياسية تبقى قائمة. يبقى السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت هذه العوامل ستؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وكيف ستؤثر على عوائد الاستثمار في المستقبل القريب.


