أصبح مفهوم صحة الموظفين (Wellness) محور اهتمام متزايد للشركات في جميع أنحاء العالم، حيث تسعى المؤسسات إلى تحسين إنتاجية العاملين وتقليل التكاليف المرتبطة بالإجهاد والأمراض. يكشف حديث مع سيزار كارفاليو، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لـ Wellhub، وهي منصة عالمية لصحة الشركات، عن رؤى حول تطور هذا المجال وأهميته المتزايدة في بيئة العمل الحديثة.

بدأ كارفاليو مسيرته المهنية في مجال الاستشارات بعد تخرجه من جامعة ساو باولو في البرازيل، حيث جذبه فرص التعلم والتطور السريع التي يوفرها هذا المجال. وبعد قبوله في شركة ماكينزي، عمل كمحلل أعمال لمدة عامين قبل أن يشجعه زملاؤه على متابعة درجة الماجستير في إدارة الأعمال (MBA).

أهمية صحة الموظفين في الشركات الحديثة

خلال فترة عمله في ماكينزي، لاحظ كارفاليو وجود فجوة كبيرة في دعم صحة الموظفين، خاصةً أولئك الذين يعملون لساعات طويلة ويتنقلون باستمرار بين مواقع العمل المختلفة. كان من الصعب على الموظفين الوصول إلى مرافق رياضية مناسبة أو برامج صحية تلبي احتياجاتهم الفردية.

أدرك كارفاليو أن هذه المشكلة لا تقتصر على الاستشاريين والمديرين التنفيذيين، بل تمتد لتشمل جميع العاملين، بمن فيهم سائقي الشحن وموظفي البقالة. وهذا أدى إلى إدراكه للحاجة إلى حلول صحية مرنة ومتاحة للجميع.

بعد مرور 14 عامًا على تأسيس Wellhub، توسعت المنصة لتشمل 18 دولة وتخدم أكثر من 40 ألف شركة، بما في ذلك العديد من مكاتب ماكينزي. ويستفيد ما يقرب من 5 ملايين موظف من خدمات Wellhub شهريًا.

تعمل Wellhub من خلال تمكين الموظفين من حجز الدروس والأنشطة الصحية بغض النظر عن موقعهم الجغرافي، دون الحاجة إلى عضوية في صالة ألعاب رياضية محددة. تدفع الشركات رسومًا شهرية ثابتة بناءً على عدد موظفيها، ويساهم الموظفون أيضًا في التكلفة.

تأثير ثقافة العمل على صحة الموظفين

يشير كارفاليو إلى أن بيئة العمل في ماكينزي كانت مكثفة للغاية، حيث كان يعمل ما يقرب من 10 إلى 12 ساعة يوميًا، وأحيانًا أكثر خلال فترات الضغط. ومع ذلك، فقد تعلم الكثير من العمل مع سبعة شركاء مختلفين، لكل منهم أسلوبه الإداري الخاص.

أدرك كارفاليو أهمية المرونة في العمل، وكيف يمكن للقادة الذين يمنحون الموظفين حرية تحديد أولوياتهم وتحقيق التوازن بين حياتهم المهنية والشخصية أن يحققوا نتائج أفضل. كما تعلم أهمية التواصل الواضح واحترام الحدود الشخصية للموظفين.

بالإضافة إلى ذلك، ساهمت العلاقات التي بناها كارفاليو في ماكينزي في نجاح Wellhub، حيث عمل معه المؤسس المشارك والعديد من الزملاء السابقين، كما قدم اثنان من رؤسائه السابقين استثمارات ملائكية في المنصة.

مخاطر ثقافة “العمل الجاد” (Hustle Culture)

يؤكد كارفاليو على أن الشركات التي تستثمر في رفاهية الموظفين (Employee Wellbeing) تحقق فوائد كبيرة، بما في ذلك زيادة الإنتاجية وتقليل التكاليف المرتبطة بالإجازات المرضية وتغيير الوظائف. ويعتبر ثقافة “العمل الجاد” المفرطة بمثابة خطر حقيقي على المؤسسات.

يرى أن العديد من الرؤساء التنفيذيين يخطئون في تقدير أهمية التوازن بين العمل والحياة، وأن عواقب ذلك ستظهر في أداء الشركات. فثقافة “العمل الجاد” تؤدي إلى الإرهاق وتدفع الموظفين الموهوبين إلى ترك العمل قبل الأوان.

بصفته رئيسًا تنفيذيًا، يتبنى كارفاليو نهجًا قائمًا على الثقة والمسؤولية، حيث يركز على تحقيق النتائج بغض النظر عن عدد الساعات التي يقضيها الموظفون في العمل أو مكان تواجدهم. يشجع كارفاليو على دمج الأنشطة الصحية في الروتين اليومي، مثل استبدال الساعات الاجتماعية بساعات مخصصة لليوجا أو التمارين الرياضية.

بالنسبة لكارفاليو، فإن الصحة الشاملة (Holistic Health) تعني أن يكون الموظفون منتجين وأصحاء وسعداء. ويؤكد على أهمية دمج الحياة الشخصية والمهنية، وعدم التضحية بالزواج أو الأسرة من أجل النجاح.

يحرص كارفاليو على تخصيص وقت لعائلته، حتى أثناء السفر، من خلال إجراء مكالمات فيديو منتظمة مع أطفاله. كما يحرص على الالتزام ببعض الطقوس الصحية التي لا يكسرها أبدًا.

في المستقبل القريب، من المتوقع أن يزداد التركيز على صحة الموظفين ورفاهيتهم، حيث تدرك الشركات بشكل متزايد أن الاستثمار في صحة العاملين هو استثمار في نجاحها. ومن المهم مراقبة التطورات في هذا المجال، والبحث عن حلول مبتكرة تلبي احتياجات الموظفين المتغيرة.

شاركها.