في ظل تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي تشير إلى بداية “عالم بلا قواعد”، يبدو أن الأسبوع التجاري الحالي يمثل نقطة تحول حاسمة في النظام العالمي. هذا التحول، الذي بدأ بشكل ملموس مع الغزو الروسي لأوكرانيا، يتفاقم بوتيرة متسارعة، ويثير قلقًا بالغًا بين القادة العالميين، خاصة مع وصول الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى دافوس لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي. يشهد الاستقرار النقدي العالمي تراجعًا ملحوظًا، مع تزايد المخاوف من سياسات أمريكية غير متوقعة.

تراجع ثقة الأسواق في الدولار الأمريكي

تُظهر المبادرات الأخيرة التي أطلقها فريق ترامب، والتي يُنظر إليها على أنها محاولة لتقويض دور الأمم المتحدة، اتجاهًا نحو إضعاف المؤسسات الدولية التقليدية. ونتيجة لذلك، يواجه الدولار الأمريكي ضغوطًا متزايدة مع سعي المستثمرين إلى تنويع محافظهم الاستثمارية بعيدًا عن التقلبات السياسية والاقتصادية الأمريكية.

تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الدولار كعملة احتياط عالمية مستقرة، خاصة مع اقتراب عام 2025 وما يحمله من احتمالات لفرض رسوم جمركية جديدة، والتصعيد في التوترات مع الحلفاء، والهجمات المحتملة على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. على الرغم من مرونة الاقتصاد الأمريكي وقدرة الاحتياطي الفيدرالي على مواجهة التحديات، إلا أن تدفقات رأس المال تتجه بعيدًا عن الدولار.

صعود الذهب كملاذ آمن

استفاد الذهب بشكل مباشر من هذا التوجه، حيث سجل ارتفاعات قياسية جديدة هذا الصباح، متجاوزًا حاجز 4750 دولارًا للأوقية. يعكس هذا الارتفاع القوي تزايد الإقبال على الأصول الآمنة في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي. يعتبر الذهب تقليديًا وسيلة للتحوط ضد التضخم وتقلبات العملات، وهو ما يجعله خيارًا جذابًا للمستثمرين في الوقت الحالي.

الين الياباني والفرنك السويسري: وجهان لعملة واحدة

على الجانب الآخر، يواجه الين الياباني ضغوطًا هبوطية حادة بسبب أعباء الديون المتزايدة وارتفاع عوائد السندات. هذا الوضع يمنع الين من لعب دوره التقليدي كملاذ آمن في أوقات الأزمات. وبالتالي، فإن قدرته على جذب المستثمرين في ظل الظروف الحالية محدودة للغاية.

في المقابل، برز الفرنك السويسري كملجأ آمن رئيسي. على الرغم من أن أسعار الفائدة في سويسرا تبلغ 0%، مما يجعله هدفًا محتملاً لممارسات “التبادل التجاري” (Carry Trade)، إلا أن سمعة سويسرا كدولة مستقرة سياسيًا واقتصاديًا تجذب المستثمرين الباحثين عن الأمان.

أداء الفرنك السويسري في ظل التقلبات

شهد الفرنك السويسري ارتفاعًا إضافيًا بنسبة 1% في تعاملات اليوم، بالتزامن مع تراجع الأصول الخطرة مثل الأسهم والعملات المشفرة والدولار. يعكس هذا الأداء القوي الثقة المتزايدة في الفرنك السويسري كأصل آمن وموثوق به.

تحليل فني لزوج USD/CHF

لفهم مسار هذه التدفقات بشكل أفضل، دعونا نستكشف تحليلًا فنيًا لزوج USD/CHF (الدولار الأمريكي/الفرنك السويسري) على أطر زمنية مختلفة. يُعتبر هذا الزوج من أكثر الأزواج تداولًا في سوق العملات، مما يجعله مؤشرًا هامًا على معنويات السوق.

  • الإطار الزمني اليومي: يظهر الزوج اتجاهًا هبوطيًا واضحًا، مع اختراق مستويات دعم رئيسية. يشير هذا إلى أن الضغط البيعي على الدولار الأمريكي مقابل الفرنك السويسري قد يستمر.
  • الإطار الزمني الأسبوعي: يؤكد الإطار الزمني الأسبوعي الاتجاه الهبوطي، مع وجود مؤشرات فنية تدعم هذا السيناريو. قد يكون هذا الاختراق بداية لمرحلة جديدة من الضعف للدولار الأمريكي.
  • الإطار الزمني الشهري: يوفر الإطار الزمني الشهري رؤية أوسع، حيث يظهر أن الزوج قد وصل إلى منطقة ذروة بيع. قد يؤدي هذا إلى بعض التصحيحات المؤقتة، ولكن الاتجاه العام لا يزال هبوطيًا.

بناءً على هذا التحليل، من المرجح أن يستمر الفرنك السويسري في التفوق على الدولار الأمريكي في المدى القصير والمتوسط. ومع ذلك، يجب على المستثمرين مراقبة التطورات الجيوسياسية والاقتصادية عن كثب، حيث يمكن أن تؤثر بشكل كبير على مسار هذا الزوج. سوق العملات متقلب بطبيعته، ويتطلب اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة.

الخلاصة والتوقعات المستقبلية

باختصار، يشهد العالم تحولًا جيوسياسيًا واقتصاديًا عميقًا، يتسم بتراجع الثقة في النظام العالمي القائم. يواجه الاستثمار في الأصول الآمنة طلبًا متزايدًا، مع تزايد المخاوف بشأن مستقبل الدولار الأمريكي. الذهب والفرنك السويسري هما المستفيدان الرئيسيان من هذا الوضع، في حين أن الين الياباني يكافح من أجل الحفاظ على مكانته كملاذ آمن.

من المهم أن نراقب عن كثب تطورات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وخاصة تصريحات الرئيس ترامب، حيث يمكن أن يكون لها تأثير كبير على معنويات السوق. بالإضافة إلى ذلك، يجب على المستثمرين متابعة البيانات الاقتصادية الصادرة عن الولايات المتحدة وسويسرا، بالإضافة إلى التطورات الجيوسياسية في أوكرانيا وغيرها من المناطق المتوترة.

هل تعتقد أن هذه التوجهات ستستمر؟ شاركنا برأيك في قسم التعليقات أدناه! لا تتردد في مشاركة هذا المقال مع زملائك المهتمين بـ التحليل المالي و الأخبار الاقتصادية.

شاركها.