مع نهاية احتفالات العام الجديد وبداية الأسبوع الأول الكامل من التداول في عام 2026، يشهد الأسواق العالمية تحولاً حاداً من الهدوء النسبي إلى جدول أعمال مزدحم بالتقارير الاقتصادية الحاسمة. بعد عام قوي شهد ارتفاع مؤشرات الأسهم الأمريكية الرئيسية بنسبة تتراوح بين 16% و 20%، يواجه المشاركون في السوق الآن اقتصاداً يبدو غير مستقر ومتفاوتاً. هذا التحول يضع أسواق المال في بؤرة الاحداث، ويدفع المستثمرين والخبراء إلى تحليل دقيق للإشارات الاقتصادية القادمة.

نظرة عامة على الأسبوع الأول من التداول في 2026: تقارير حاسمة تحدد المسار

الأسبوع القادم سيكون محورياً، حيث ستصدر بيانات سوق العمل الأمريكية لشهر ديسمبر، ومؤشرات التصنيع من الولايات المتحدة وأوروبا، وتحديثات حول أداء تجار التجزئة في المملكة المتحدة خلال فترة الأعياد. تأتي هذه الأحداث في ظل استمرار التضخم في الارتفاع بالقرب من 3%، وتزايد المخاوف بشأن نقص العمالة والتعريفات الجمركية الجديدة. هذا بالإضافة إلى التقلبات التي قد تشهدها الأسواق العالمية نتيجة لهذه التحديثات.

الأسواق الأمريكية: فك رموز نموذج “التوظيف المنخفض، والتسريح المنخفض”

الحدث الرئيسي لهذا الأسبوع هو تقرير التوظيف الأمريكي الذي سيصدر في التاسع من يناير 2026. يأتي هذا التقرير بعد عام شهد تباطؤًا تدريجيًا في وتيرة التوظيف، ويتوقع الخبراء أن يكون عدد الوظائف المضافة في ديسمبر حوالي 55 ألف وظيفة، وهو ما يشابه الأرقام المتواضعة لشهر نوفمبر.

تأثير القيود على الهجرة والتركيبة السكانية

ومع ذلك، فإن الطريقة التي يفسر بها المحللون هذه البيانات تتغير بشكل كبير. تشير J.P. Morgan إلى أنه بسبب قواعد الهجرة الأكثر صرامة والشيخوخة السكانية، يحتاج الاقتصاد الآن إلى عدد أقل بكثير من الوظائف الجديدة للحفاظ على استقرار معدل البطالة. لقد انخفض عدد الوظائف المطلوبة للحفاظ على الوضع الراهن من 50 ألف وظيفة شهريًا إلى 15 ألف وظيفة فقط.

ونتيجة لذلك، حتى الزيادة المنخفضة نسبيًا في عدد الوظائف (55 ألف وظيفة) ستكون كافية لخفض معدل البطالة، والذي من المتوقع أن ينخفض من 4.6% إلى 4.5%. هذا يشير إلى تغير كبير في ديناميكيات الاقتصاد الأمريكي.

أسباب ركود التوظيف

إن سوق العمل “الراكد” حاليًا، حيث لا تقوم الشركات بالتوظيف بقوة أو تسريح العمال، يرجع إلى حد كبير إلى حالة عدم اليقين التي تشعر بها الشركات بسبب التغيرات في قواعد التجارة وإغلاق الحكومة مؤخرًا.

ونتيجة لذلك، من المتوقع أن تأتي معظم الوظائف الجديدة في ديسمبر من الصناعات المستقرة مثل الرعاية الصحية والشحن، بينما ستكافح صناعات البناء والتصنيع بسبب ارتفاع التكاليف. هذا التباطؤ في الطلب على العمالة سمح للاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة في نهاية العام الماضي، ليصل إلى نطاق 3.5% – 3.75%.

في حين أن المشاركين في السوق لا يتوقعون خفضًا آخر في أسعار الفائدة في يناير، إلا أن هناك حاليًا احتمالًا بنسبة 50% لخفض في شهر مارس. ومع ذلك، إذا كان تقرير الوظائف القادم ضعيفًا بشكل مفاجئ، فقد يثير ذلك مخاوف بشأن حدوث ركود، مما يدفع المستثمرين إلى المراهنة على خفض أسرع في أسعار الفائدة.

المملكة المتحدة: تقييم “الربع الذهبي” لتجار التجزئة

في المملكة المتحدة، يرتبط الأسبوع الأول من يناير بتقييم نتائج “الربع الذهبي”، وهي الفترة التي تمتد من أكتوبر إلى ديسمبر والتي تشهد عادةً أعلى مبيعات سنوية. يواجه قطاع التجزئة، وهو حجر الزاوية في الاقتصاد البريطاني، تقييمًا صارمًا من خلال سلسلة من التحديثات التجارية من أبرز الشركات: Next، و Marks & Spencer، و Tesco، و J Sainsbury.

ستقدم هذه التقارير النظرة الأولى والتأكيد الدقيق حول كيفية استجابة المستهلكين لموسم الأعياد، في ظل ارتفاع تكاليف العمالة واحتمال اندلاع “حرب أسعار” في قطاع البقالة. قد يكون لهذا تأثير أكبر من المعتاد على المؤشرات، خاصة بعد أن تجاوز مؤشر FTSE 100 حاجز الـ 10000 نقطة لأول مرة هذا الأسبوع.

أسواق آسيا والمحيط الهادئ: عودة اليابان ورصد أداء الصين

في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، يتميز أسبوع الرابع من يناير بعودة المشاركة الكاملة في السوق بعد عطلة رأس السنة الجديدة الممتدة في اليابان.

يرصد المشاركون في السوق بنك اليابان عن كثب هذا الأسبوع. في حين أنه من المتوقع أن يتقدم البنك بحذر، إلا أن بيانات الأجور الجديدة التي ستصدر في السابع من يناير قد تسرع من رفع أسعار الفائدة إذا كانت الأرباح أعلى من المتوقع، مما سيعزز الين الياباني.

وينصب الانتباه أيضًا على الصين، حيث من المتوقع أن تبرز بيانات التضخم التي ستصدر في التاسع من يناير المشكلات المستمرة المتعلقة بانخفاض أسعار المصانع. وقبل ذلك، سيوضح تقرير تجاري رئيسي في الثامن من يناير مدى قدرة الصين على التعامل مع التوترات التجارية العالمية. على الرغم من القيود الجديدة على تصدير الصلب والمركبات الكهربائية، لا يزال الخبراء يتوقعون فائضًا تجاريًا هائلاً يتجاوز 100 مليار دولار.

الخلاصة: أسبوع حافل بالتحديات والفرص لـ أسواق المال

يمثل الأسبوع الأول الكامل من التداول في عام 2026 بداية حاسمة لـ أسواق المال العالمية. مع مجموعة من البيانات الاقتصادية الهامة التي سيتم إصدارها، سيحتاج المستثمرون إلى التحلي باليقظة والقدرة على التكيف. من المتوقع أن تؤثر هذه التقارير بشكل كبير على معنويات السوق وتوجهات السياسة النقدية، مما قد يخلق فرصًا جديدة وكذلك تحديات كبيرة. تابعوا التحديثات الاقتصادية القادمة ولاحظوا كيف ستشكل مسار الأسواق في الأشهر المقبلة. نحن هنا لتقديم التحليلات والرؤى التي تساعدكم على اتخاذ قرارات استثمارية مستنيرة.

شاركها.