شهدت الأسواق العالمية اضطرابات شديدة خلال الشهر الماضي، مدفوعة بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وخاصة ما يتعلق بالحرب في إيران. لقد مرت أسواق الأسهم بشهر من العنف لم تشهده منذ فترة طويلة، حيث أدت المخاوف من ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي إلى تقلبات حادة.
بدأ الأمر بارتفاع حاد في أسعار النفط، مما أثر على الأسواق ككل، حيث انتاب المستثمرين حالة من الذعر تحسباً لموجة تضخمية أكبر واحتمالية حدوث ركود في الاقتصاد العالمي. انخفضت أسعار الأسهم بشكل كبير، ودخل مؤشر داو جونز الصناعي ومؤشر ناسداك 100 في مرحلة التصحيح. كما تراجعت الأصول الآمنة مثل الذهب، وانخفضت توقعات أسعار الفائدة. كان هذا الشهر من بين أكثر الأشهر فوضوية للمستثمرين في مدة لا تقل عن عام، منذ أن تسببت الرسوم الجمركية للرئيس السابق دونالد ترامب في انهيار تاريخي للسوق.
تأثير الحرب في إيران على الأسواق المالية
كانت التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، والمتعلقة بشكل خاص بسيناريو الحرب في إيران، المحفز الرئيسي للتقلبات الشديدة التي شهدتها الأسواق المالية خلال الشهر الماضي. بدأت سلسلة الأحداث هذه بارتفاع صاروخي في أسعار النفط، وهو ما أحدث موجة من عدم اليقين والقلق بين المستثمرين بشأن الآثار المترتبة على التضخم واستقرار الاقتصاد العالمي.
أدت المخاوف من اضطراب إمدادات النفط إلى تراجع كبير في أسعار الأسهم، حيث وصل مؤشر داو جونز الصناعي ومؤشر ناسداك 100 إلى مستويات تصحيحية. في المقابل، فقدت الأصول التي تعتبر ملاذاً آمناً، مثل الذهب، جاذبيتها، بينما انخفضت توقعات أسعار الفائدة بشكل كبير. بشكل عام، يمكن وصف الشهر بأنه كان واحداً من أكثر الشهور اضطراباً للمستثمرين منذ وقت طويل، متذكّرين بحالة الانهيار التي شهدتها الأسواق في السابق بسبب الرسوم الجمركية.
التحركات الخمس الرئيسية التي حددت مسار السوق
1. ارتفاع أسعار النفط لمستويات غير مسبوقة
شهدت أسعار النفط ارتفاعاً قياسياً، لتصل إلى مستويات لم يشهدها المستثمرون منذ سنوات، وذلك بسبب اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط. ظل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لتجارة النفط، مقيداً وسط الصراع الدائر.
وصل سعر خام برنت، المعيار الدولي، إلى 117 دولاراً للبرميل في وقت سابق، بعد تهديدات بضرب أصول الطاقة الإيرانية، مما أثار مخاوف من تفاقم اضطرابات الإمدادات. يشهد خام برنت زيادة تتجاوز 60% خلال شهر مارس، وهي أكبر زيادة شهرية له على الإطلاق. في الوقت نفسه، ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط إلى 103 دولارات للبرميل. تمثل هذه الزيادات أكثر من 50% مقارنة بمستوياتها قبل بدء الحرب في إيران.
2. انهيار الأسهم إلى منطقة التصحيح
تأثرت المؤشرات الرئيسية الثلاثة بشكل كبير مع قلق المستثمرين بشأن تفاقم التضخم وتدهور البيئة الاقتصادية. أضافت المخاوف الاقتصادية إلى التحرك العام نحو تجنب المخاطر الذي بدأ في بداية العام، عندما هزت المخاوف الوجودية حول الذكاء الاصطناعي قطاع البرمجيات.
انخفض مؤشر داو جونز الصناعي ومؤشر ناسداك 100 بنسبة تصل إلى 10%، مما استوفى المعايير الرسمية لتصحيح سوق الأسهم. كان مؤشر S&P 500 على وشك الدخول في منطقة تصحيح أيضاً، حيث انخفض بنسبة 9% تقريباً عن أعلى مستوياته الأخيرة. يشهد المؤشر أسوأ ربع سنوي له منذ النصف الأول من عام 2022.
3. ارتفاع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى في 8 أشهر
ارتفعت عائدات السندات مع إعادة تقييم المستثمرين لتوقعاتهم بشأن تخفيضات أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي. مع التهديدات بارتفاع أسعار النفط التي قد تؤدي إلى موجة تضخمية، يراهن المستثمرون على أن لدى الاحتياطي الفيدرالي هامشاً أقل لخفض أسعار الفائدة. كما يتوقعون أنه إذا استمر التضخم في كونه مشكلة، فسيتعين على الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة أعلى لفترة أطول.
تبردت عائدات سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 4.3%، لكنها ارتفعت إلى 4.4% في الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى لها منذ يوليو. شهدت زيادة قدرها 48 نقطة أساس مقارنة بمستواها قبل بدء الحرب في إيران.
4. صعود الدولار الأمريكي إلى ذروة لم تسجل منذ عام 2026
ارتفع الدولار الأمريكي بالتزامن مع زيادة توقعات أسعار الفائدة. تجذب أسعار الفائدة المرتفعة المستثمرين إلى الدولار، حيث يمكنهم الحصول على عائد أعلى من خلال الاحتفاظ بأموالهم نقداً أو في أصول مقومة بالدولار.
ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي، الذي يقيس قوة الدولار مقابل سلة من العملات الأجنبية، إلى حوالي 100، بزيادة قدرها 4% تقريباً عن مستواه قبل بدء الحرب في إيران. هذا هو أعلى مستوى للدولار منذ بداية العام.
5. انخفاض الذهب من مستوى قياسي
تأثر الذهب أيضاً مع تزايد المخاوف بشأن التضخم، مما أدى إلى استبعاد توقعات تخفيض أسعار الفائدة في عام 2022. تم تداول الذهب بسعر حوالي 4603 دولارات للأونصة، بانخفاض قدره 13% عن مستواه قبل بدء الحرب.
يفقد الذهب جاذبيته للمستثمرين عندما ترتفع عائدات السندات، حيث يمكن للمستثمرين الحصول على عائد أعلى من خلال الاحتفاظ بأموالهم في أصول فائدة مثل سندات الخزانة. كما كان الذهب في وضع “شراء مفرط” في بداية عام 2026، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى المتداولين الأفراد الذين دفعوا دفعة مضاربة على المعدن.
ختاماً، تشير التوقعات إلى استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق خلال الفترة القادمة، مع ترقب التطورات الجيوسياسية وتأثيرها على أسعار السلع والطاقة. سيظل التركيز منصباً على قرارات البنوك المركزية المتعلقة بأسعار الفائدة، ومدى قدرتها على مكافحة التضخم دون دفع الاقتصاد نحو ركود أعمق. سيراقب المستثمرون عن كثب أي أخبار جديدة تتعلق بالصراع في الشرق الأوسط وتأثيرها المحتمل على سلاسل الإمداد العالمية.
