يشكل “مشروع القبو” (Project Vault) الذي أطلقه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، خطوة جديدة نحو إعادة تشكيل سوق المعادن الحيوية، وسط توقعات بتزايد التقلبات خلال عام 2026 وما بعده. يهدف المشروع إلى إنشاء احتياطي استراتيجي للمعادن الحرجة لتأمين الإمدادات وحماية الصناعة الأمريكية من تقلبات الأسعار الحادة. ومع ذلك، يثير العديد من الخبراء مخاوف من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار وزيادة الضغوط التضخمية، بدلاً من تحقيق أهدافها المعلنة.
أعلن ترامب عن “مشروع القبو” في الثاني من فبراير، مؤسسًا “الاحتياطي الاستراتيجي للمعادن الحرجة الأمريكي”. وصرح ترامب في إعلان له من المكتب البيضاوي بأن هذا الاحتياطي، على غرار الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، سيخدم الاقتصاد المدني الأمريكي. يمول المشروع بمبلغ 12 مليار دولار، يتكون من 10 مليارات دولار كقرض من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي ومليارين دولار من التمويل الخاص. ويُعد هذا سابقة في تاريخ الولايات المتحدة، وفقًا لمسؤول في البيت الأبيض، حيث يتم تخزين المعادن لأول مرة لدعم الاقتصاد المدني.
تفاصيل “مشروع القبو” واحتمالات التقلبات في سوق السلع
تظل التفاصيل الدقيقة لـ “مشروع القبو” غير واضحة، مما يصعّب على المستثمرين تقييم المخاطر المحتملة بدقة. يؤكد ستراتيجيو شركة FGS Global على أهمية تفاصيل التنفيذ، خاصة في ظل سياسات ترامب المتعلقة بالرسوم التجارية والمفاوضات التجارية المستمرة. ويشير شركاء في شركة Latham & Watkins إلى أن الأولوية المعلنة للمشروع، وهي تعزيز مرونة سلاسل توريد المعادن الحرجة، يمكن تفسيرها بطرق متعددة، كل منها ينطوي على نهج مختلف.
ويصف سحر حفيظ، محامي التجارة الدولية، المشروع بأنه “إعادة تصميم للبنية السوقية للمعادن الحرجة”. ووفقًا له، فإن تحديد المعادن ذات الأولوية، وكيفية حساب الحد الأدنى للسعر، والجهات المشاركة، هي الخطوات الحاسمة المقبلة.
تحليلات تشير إلى تزايد التقلبات والتضخم
من المتوقع أن يؤثر هذا الاحتياطي بشكل كبير على ديناميكيات العرض والطلب وحركة أسعار السلع. يذكر كريس لافيمينا، محلل في Jefferies، أن الاحتياطي المخطط له سيمثل نسبة صغيرة تتراوح بين 1% و 3% من المعروض العالمي. ومع ذلك، ي فإن قيام الولايات المتحدة بتكديس المعادن، بالتزامن مع قيام قوى عالمية أخرى بخطوات مماثلة، يهدد بتغذية الضغوط التضخمية في قطاعي السلع والمواد.
أشار لافيمينا إلى أن تكلفة صيانة هذا الاحتياطي البالغ 12 مليار دولار ستصل إلى حوالي مليار دولار سنويًا، على عكس الاحتياطي النفطي. ويرى أن ذلك سيدفع الأسعار إلى الارتفاع، مما يؤثر في النهاية على المستهلكين. وأكد في فيديو نشرته شركته هذا الشهر أن “هذا، بحد ذاته، أعتقد أنه قد يصبح مشكلة تضخمية كبيرة.” يتوقع لافيمينا استمرار الاتجاه الصعودي في أسعار المعادن، مصحوبًا بتقلبات “كبيرة”.
من جانبها، أشارت Goldman Sachs إلى أن سياسات ترامب تميل إلى تقسيم أسواق السلع حسب المناطق بدلاً من الاعتماد على التوازن العالمي، مما يخلق خطرًا متزايدًا للتقلبات. واستشهدت بـ “النحاس” كمثال أولي، موضحة أن أسعاره ارتفعت على الرغم من التقلبات في عام 2025، حيث أدى تكديس الولايات المتحدة إلى خلق عجز في باقي السوق وسط وفرة عالمية.
تركيز ترامب على المعادن الحيوية وعلاقتها بالصين
يأتي إنشاء هذا الاحتياطي في سياق جهود إدارة ترامب لتعزيز الصناعة التحويلية الأمريكية وتقليل الاعتماد الاقتصادي على الصين. وتشهد سلع مثل الفضة والنحاس والبلاتين، وبعضها ضمن قائمة المعادن الحرجة الأمريكية البالغ عددها 60 معدنًا، تحركات سعرية كبيرة مؤخرًا. ويهدف “مشروع القبو” إلى حماية الشركات الأمريكية من هذه التقلبات وضمان المصالح الأمريكية من خلال تقليل الاعتماد على الصين.
تُعد المعادن الحرجة، وخاصة المعادن الأرضية النادرة، نقطة خلاف رئيسية في مفاوضات التجارة بين الولايات المتحدة والصين. وتسيطر الصين على دورة إنتاج المعادن الحرجة بالكامل، بدءًا من التعدين وصولاً إلى التكرير، مما يمنحها نفوذًا كبيرًا على التسعير. وتعتقد Goldman Sachs أن تكديس “مشروع القبو” سيركز على هذه المعادن الأرضية النادرة.
مفاوضات تجارية وتحديات المصادر تزيد من عدم اليقين
تلعب المفاوضات التجارية وتحديات تحديد مصادر الإمداد دورًا في زيادة حالة عدم اليقين التي قد تغذي تقلبات السوق. يرى ستراتيجيو FGS Global أن بعض الرسوم الجمركية المتوقعة من الإدارة قد “تضخم من تقلبات أسعار السلع”، ويضيفون أن المفاوضات التجارية المستمرة قد تعيق أي اتفاق إقليمي للمعادن الحرجة. ومن المقرر أن تختتم محادثات التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا في يوليو.
هناك اعتبار آخر يتمثل في احتمال قيام الصين بتقييد الإمدادات ردًا على خطط الولايات المتحدة لتكديس المعادن. وبينما لم توضح إدارة ترامب خططها المتعلقة بالمصادر، يشير كريس لافيمينا، كبير محللي المعادن والتعدين في Jefferies، إلى أن “تحديد المصادر لا يزال غامضًا، وفي غضون ذلك، قد تضطر الولايات المتحدة إلى الشراء من موردين تحاول تجنبهم (أي الصين)”.
يتشابك مستقبل “مشروع القبو” مع تطورات المفاوضات التجارية وتوزيع القوى في سوق المعادن العالمية. وستكون الخطوات التالية في تحديد المعادن التي سيتم تخزينها، وآلية التسعير، وتأمين مصادر مستدامة، عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كان المشروع سيحقق أهدافه في تعزيز الاستقرار أو سيزيد من حدة التقلبات.
