ارتفاع أسعار النفط، وتصاعد التضخم، والاضطرابات في الأسواق… هذه مجموعة مقلقة من العوامل التي شهدها الاقتصاد الأمريكي في سبعينيات القرن الماضي. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، يرى المحللون أن مخاطر حدوث صدمة أسعار نفط جديدة – وهي حالة ترتفع فيها أسعار النفط بشكل حاد وتؤدي إلى سلسلة من التداعيات السلبية على الأسواق والاقتصاد – آخذة في الارتفاع. تعتبر صدمة أسعار النفط تهديدًا كبيرًا للاقتصاد العالمي.
تأثير التوترات الجيوسياسية على أسعار النفط
شهدت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا في الأسابيع الأخيرة، تزامنًا مع قيام الولايات المتحدة بعملية مداهمة في فنزويلا وتهديدها باتخاذ إجراءات عسكرية في إيران – وهما من بين أكبر منتجي النفط الخام في العالم. وقد أدت هذه الأحداث إلى زيادة المخاوف بشأن إمدادات النفط العالمية.
ارتفعت عقود برنت الآجلة لشهر مارس بنسبة 10٪ خلال الأسبوع الماضي، وقفزت بنسبة تصل إلى 3٪ لتتداول فوق 65 دولارًا للبرميل يوم الثلاثاء. وهذا هو أعلى سعر لبرنت منذ نوفمبر الماضي. يعكس هذا الارتفاع القلق المتزايد بشأن الاستقرار الجيوسياسي وتأثيره المحتمل على أسعار الطاقة.
مخاطر الركود والتضخم
وفقًا لما ذكره خوسيه توريس، كبير الاقتصاديين في Interactive Brokers، فإن وصول سعر برنت إلى 80 دولارًا للبرميل قد يمثل بالفعل صدمة في أسعار النفط. في هذا السيناريو، يعتقد توريس أن السندات والأسهم ستشهدان عمليات بيع متزامنة، حيث يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تأجيج التضخم، مما قد يؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، قد يعني التضخم المرتفع أن لدى الاحتياطي الفيدرالي مجالًا أقل لخفض أسعار الفائدة في المستقبل، وهو ما كان محفزًا رئيسيًا لارتفاع الأصول ذات المخاطر في العام الماضي.
صرح توريس لـ Business Insider: “هناك بالتأكيد خطر حدوث صدمة في أسعار النفط، خاصة مع تعافي الأسهم لثلاث سنوات قوية بالفعل”، مشيرًا إلى السنوات المتتالية من المكاسب التي تجاوزت 10٪ في مؤشر S&P 500.
تقديرات الاحتمالات
يرى مات جيرتكن، كبير الاستراتيجيين الجيوسياسيين في BCA Research، أن التوترات الأخيرة في إيران رفعت احتمالية حدوث “صدمة عالمية كبيرة في إمدادات النفط” إلى حوالي 40٪. ويوضح أن سقوط النظام الإيراني وزيادة الصراع في المنطقة قد يؤدي إلى “خسارة كبيرة” في إنتاج النفط. هذا التحليل يسلط الضوء على مدى حساسية سوق النفط للأحداث الجيوسياسية.
أضاف جيرتكن: “الأسهم العالمية والأسهم الأمريكية معرضة لتصحيح في المدى القريب نظرًا للظروف المبالغ فيها والمفرطة في الشراء وتصاعد المخاطر الجيوسياسية في الوقت الحالي”.
تحذيرات من البنوك الكبرى
أشار المحللون في Deutsche Bank أيضًا إلى خطر تعرض السوق لصدمة نفطية هذا العام. وكتب البنك في مذكرة حديثة للعملاء: “إن الصدمة الإيجابية في إمدادات أسعار النفط ستؤثر بشكل كبير على توقعات التضخم ومخاطر التضخم”، واصفًا هذا السيناريو بأنه خطر رئيسي على آفاقهم الاقتصادية. يشير هذا إلى أن البنك يراقب عن كثب التطورات الجيوسياسية وتأثيرها المحتمل على التضخم.
من جانبه، أضاف جيف كوري، خبير استراتيجي متمرس في مجال السلع وشغل منصب كبير مسؤولي الاستراتيجية في Carlyle للطاقة، أنه يعتقد أن هناك مجالًا لمزيد من الارتفاع في أسعار النفط. وأشار إلى عوامل مثل ارتفاع الطلب على النفط الخام و “المخاطر الجيوسياسية المرتفعة جدًا”، مما قد يجعل النفط أكثر تكلفة. تعتبر هذه العوامل بمثابة محركات رئيسية لارتفاع أسعار النفط.
قال كوري لشبكة CNBC الأسبوع الماضي: “الوضع في فنزويلا له تأثير كبير على المخاطر الجيوسياسية”. وأضاف: “بالنسبة لمستوردي النفط، سواء كانت الصين أو الهند أو أوروبا، أصبح العالم مكانًا أكثر خطورة”.
الآفاق المستقبلية ومخاطر أسعار الطاقة
في الوقت الحالي، يراقب الأسواق عن كثب التطورات في الشرق الأوسط وفنزويلا، بالإضافة إلى قرارات منظمة أوبك وحلفائها (أوبك+) بشأن مستويات الإنتاج. من المتوقع أن يستمر الطلب العالمي على النفط في النمو، مما قد يدعم الأسعار. ومع ذلك، فإن أي تصعيد في التوترات الجيوسياسية أو زيادة غير متوقعة في الإنتاج يمكن أن تؤدي إلى تقلبات كبيرة في الأسعار.
من المرجح أن يستمر الاحتياطي الفيدرالي في تقييم تأثير أسعار النفط على التضخم قبل اتخاذ أي قرارات بشأن أسعار الفائدة. سيؤثر مسار أسعار النفط بشكل كبير على السياسة النقدية في الولايات المتحدة وعلى الاقتصاد العالمي بشكل عام. من الضروري متابعة هذه التطورات عن كثب في الأشهر المقبلة.
