تخيل صوت الأوراق المتساقطة الهشة تحت قدميك، وحفيف الماء وأنت تمشي بجوار مجرى، ونفحة هواء منعشة تملأ رئتيك. قضاء الوقت في الطبيعة له تأثير سحري، يخلق شعوراً بالسلام والهدوء. لكن، في عالم العمل الحديث، يفتقد الكثير منا هذه اللحظات الثمينة. سواء بسبب طبيعة الوظيفة المكتبية أو ضيق الوقت، يصبح الوصول إلى الهواء الطلق رفاهية لا تتوفر للكثيرين.

تأثير الطبيعة على الصحة النفسية والجسدية

لطالما اعترفت الدراسات بفوائد التعرض للطبيعة. فهي لا تقلل من التوتر والقلق فحسب، بل تعزز أيضاً الإبداع والتركيز والانتباه. تجربة “الاستحمام في الغابة” (Shinrin-yoku)، وهي ممارسة يابانية، تؤكد على أهمية الانغماس في الغابات لتحسين الصحة العامة. حتى مجرد النظر إلى صور المناظر الطبيعية يمكن أن يكون له تأثير مهدئ. بالنسبة لأصحاب الوظائف التي تبقيهم محصورين في الداخل، قد يبدو الحفاظ على هذه الصلة بالطبيعة تحدياً، لكنه ليس مستحيلاً. تقول آنا روز سميث، معالجة نفسية: “عندما بدأت عملي الأول في مكتب بلا نوافذ، شعرت بفقدان شيء أساسي. لذلك، كنت أحرص على قضاء استراحة الغداء في الخارج، وأجمع بعض الزهور أو الأوراق لأعيدها معي إلى المكتب كتذكير بالطبيعة.”

جلب الطبيعة إلى مكان العمل

لا يتطلب الاستفادة من فوائد الطبيعة بالضرورة قضاء ساعات طويلة في الهواء الطلق. هناك طرق بسيطة وفعالة لإضفاء لمسة من الطبيعة على بيئة العمل، حتى لو كانت مجرد غرفة صغيرة بلا نوافذ.

الاجتماعات في الهواء الطلق: تغيير في المنظور

لماذا تقتصر الاجتماعات على الجدران الصلبة؟ مقترح عقد الاجتماعات أثناء المشي أو في حديقة قريبة يمكن أن يحولها إلى تجربة أكثر استرخاءً وإنتاجية. تقول سميث: “أقترح أحياناً عقد اجتماع ‘المشي والتحدث’ في طريق أخضر قريب. وهي فرصة رائعة للخروج من الروتين وتنشيط العقل.” بالإضافة إلى ذلك، يمكن الاستفادة من التكنولوجيا لعقد اجتماعات افتراضية أثناء الاستمتاع بالهواء الطلق. يمكنك حضور اجتماع Zoom أثناء السير على طريق خشبي أو الجلوس في حديقة.

المساحات الخضراء: لمسة من الهدوء

إضافة النباتات إلى مكان العمل هو طريقة أخرى رائعة لتعزيز الشعور بالارتباط بالطبيعة. النباتات لا تحسن جودة الهواء فحسب، بل أيضاً تخلق بيئة أكثر هدوءاً ووداً. حتى مجرد العناية بنبتة صغيرة يمكن أن يكون له تأثير مهدئ. يمكن للنباتات المنزلية البسيطة مثل البوثوس أن تنمو في ظروف إضاءة منخفضة، مما يجعلها خياراً مثالياً للمكاتب التي لا تتمتع بنوافذ كبيرة.

مبادرات الشركات لتعزيز الاتصال بالطبيعة

تدرك العديد من الشركات الآن أهمية توفير فرص لموظفيها للاتصال بالطبيعة. شركة أتلانتيك باكاجيج، المتخصصة في تصنيع عبوات مستدامة، تشجع موظفيها على عقد الاجتماعات في الخارج وتنظم فعاليات مثل “المشي في أيام الأربعاء”. هذا يساعد الموظفين على “إعادة ضبط النفس وإعادة التركيز” خلال يوم العمل.

تحدي الطبيعة: تحفيز الموظفين

أطلقت أتلانتيك باكاجيج “تحدي الطبيعة” في عام 2024، حيث قام الموظفون بتتبع الوقت الذي يقضونه في الهواء الطلق ومشاركته مع زملائهم عبر دردشة جماعية. وقد لاقت هذه المبادرة نجاحاً كبيراً، حيث شارك الموظفون صوراً لمناظر طبيعية متنوعة من جميع أنحاء الولايات المتحدة.

تصميم أماكن العمل مع مراعاة الطبيعة

شركة فورد للسيارات أخذت هذا الأمر إلى مستوى آخر عند إعادة تصميم مقرها الرئيسي. تم تضمين نباتات محلية ومسارات للمشي وأجنحة خارجية، مما يشجع الموظفين على قضاء المزيد من الوقت في الهواء الطلق. حتى موقف السيارات تم وضعه بعيداً عن المبنى الرئيسي لتشجيع الموظفين على المشي لبضع دقائق وسط المساحات الخضراء.

أهمية الضوء و الهواء النقي

حتى في الأيام الباردة، يمكن الاستفادة من فوائد الطبيعة من خلال إعطاء الأولوية للضوء والهواء النقي. إذا كان مكان العمل يفتقر إلى النوافذ الكبيرة، حاول الجلوس بالقرب من المصادر الضوئية الاصطناعية التي تحاكي ضوء الشمس الطبيعي. يمكن أيضاً فتح النوافذ الصغيرة بانتظام لتجديد الهواء ولإدخال بعض الأكسجين النقي.

إيرين مانتز، نائبة رئيس التسويق، تشجع على هذه الممارسات، حيث تذهب إلى صف البيلاتس قبل العمل، وتتمشى مع كلبها خلال فترات الراحة. وتقول: “إن قضاء الوقت في الخارج يساعدني على الشعور بالاسترخاء والتركيز. إنه جيد جداً بالنسبة لي.”

في الختام:

لا تدع ضغوط العمل تمنعك من الاستمتاع بفوائد الطبيعة. سواء من خلال عقد اجتماعات في الهواء الطلق، وإضافة النباتات إلى مكتبك، أو ببساطة أخذ استراحة قصيرة للتنفس بعمق، يمكنك إحداث فرق كبير في صحتك ورفاهيتك. تذكر أن التعرض للطبيعة ليس رفاهية، بل هو ضرورة للحفاظ على صحة عقلية وجسدية متوازنة. ابدأ اليوم في دمج المزيد من الطبيعة في حياتك اليومية، وستشعر بالفرق على الفور.

شاركها.