في قلب ضاحية بروملي جنوب لندن، يتربع منزل متواضع على وشك أن يتحول إلى وجهة سياحية فريدة من نوعها، تجذب عشاق الموسيقى والتراث من جميع أنحاء العالم. هذا المنزل ليس مجرد مبنى، بل هو المكان الذي شهد فيه ديفيد باوي، أيقونة الروك أند رول، بداياته الأولى وتحوله من تلميذ عادي إلى نجم عالمي. مؤسسة تراث لندن تراست، أعلنت عن خططها الطموحة لترميم هذا الكوخ التاريخي وفتحه للجمهور، مما يتيح فرصة نادرة للغوص في عالم بوي الإبداعي المبكر.
منزل ديفيد باوي في بروملي: رحلة عبر الزمن
تم شراء منزل باوي القديم، وهو كوخ عامل سكك حديدية يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر، بعد طرحه للبيع العام الماضي. لم يتم الكشف عن المبلغ المحدد الذي تم دفعه، ولكن أسعار المنازل المماثلة في المنطقة تصل إلى 500 ألف جنيه إسترليني. هذا الإجراء السريع من قبل المؤسسة الخيرية يعكس الأهمية الثقافية والتاريخية التي يحملها هذا المكان، والذي يمثل نقطة انطلاق مسيرة فنان استثنائي.
أصول النجم: غرفة النوم التي شهدت التحول
يكمن جوهر هذا المشروع في ترميم غرفة نوم باوي، وهي مساحة ضيقة نسبيًا لا تتعدى 9 أقدام في 10 أقدام. هذه الغرفة الصغيرة، وفقًا للمنسق الفني جيفري مارش، هي المكان الذي “تحولت فيه الشرارة إلى لهب”، حيث قضى بوي سنواته الأولى في صقل موهبته واستكشاف شغفه بالموسيقى. يقول بوي نفسه عن هذه الغرفة: “لقد قضيت الكثير من الوقت في غرفة نومي، لقد كان ذلك عالمي بأكمله. كان لدي كتب هناك، وموسيقاي هناك، ومشغل الأسطوانات الخاص بي.”
أكثر من مجرد منزل: نافذة على حقبة مضطربة
لا يقتصر مشروع ترميم منزل ديفيد باوي على استعادة الديكور الأصلي للستينيات فحسب، بل يهدف أيضًا إلى تقديم صورة حية للحياة المنزلية في تلك الحقبة، وهي فترة شهدت تحولات اجتماعية وثقافية هائلة. تأمل مؤسسة التراث أن ينقل المنزل إحساسًا بالواقعية، بعيدًا عن أي تصورات نمطية أو معقمة، وأن يتيح للزوار الشعور وكأنهم دخلوا بالفعل في حياة بوي في تلك الفترة. هذا الجانب من المشروع يجعله أكثر من مجرد موقع سياحي، بل هو وثيقة تاريخية حية.
دعم ورثة باوي وجهود جمع التبرعات
يحظى مشروع ترميم منزل باوي بدعم كامل من ورثته، مما يضمن الحفاظ على رؤيته وذاكرته. بالإضافة إلى منحة خيرية بقيمة 500 ألف جنيه إسترليني، تسعى المؤسسة الخيرية إلى جمع تبرعات إضافية بقيمة 1.2 مليون جنيه إسترليني لإتمام المشروع على أكمل وجه. تهدف مؤسسة التراث إلى فتح أبواب المنزل للزوار في أواخر عام 2027، مع توفير فرص للمشاركة في ورش عمل إبداعية للأطفال، مما يعزز من دوره كمحفز للإلهام والابتكار.
إرث ديفيد باوي: استمرار التأثير والإلهام
يأتي هذا الإعلان في وقت يتزامن مع مرور عقد على رحيل ديفيد باوي، الذي فارق الحياة في 10 يناير 2016 عن عمر يناهز 69 عامًا، بعد يومين فقط من إصدار ألبومه الأخير “بلاك ستار”. على الرغم من مرور السنوات، لا يزال إرث بوي الثقافي يتردد صداه في عالم الموسيقى والموضة والتصميم. فقد تم افتتاح أرشيفه الذي يضم 90 ألف قطعة في مركز ديفيد باوي بمتحف فيكتوريا وألبرت في شرق لندن العام الماضي، مما يتيح للجمهور فرصة استكشاف جوانب جديدة من عبقريته.
التجديد والتحول: رسالة باوي الخالدة
تؤكد نيكولا ستايسي، مديرة صندوق تراث لندن، على أن فكرة “التجديد” التي تجسدت في حياة وأعمال ديفيد باوي لا تزال ملهمة حتى اليوم. لقد ساهم بوي في تغيير المفاهيم التقليدية حول الهوية والتعبير عن الذات، وشجع على الاحتفاء بالتنوع والاختلاف. كما يرى جورج أندروود، صديق طفولة بوي، أن المنزل هو المكان الذي بدأت فيه كل الأحلام، وأنه من المدهش أن موسيقى بوي قد غيرت حياة الكثيرين.
بروملي تستعد لاستقبال عشاق الموسيقى
من المتوقع أن يشكل منزل ديفيد باوي في بروملي إضافة قيمة إلى المشهد السياحي في لندن، وأن يجذب الزوار من جميع أنحاء العالم. هذا المشروع لا يمثل فقط تكريمًا لمسيرة فنان عظيم، بل هو أيضًا فرصة للحفاظ على جزء مهم من التراث الثقافي البريطاني، وإلهام الأجيال القادمة من المبدعين. بالإضافة إلى ذلك، فإن ترميم المنزل سيساهم في إحياء المنطقة المحيطة به، وتعزيز التنمية المحلية. تراث لندن تسعى لتقديم تجربة فريدة من نوعها، تجمع بين التاريخ والموسيقى والإبداع، وتخلد ذكرى أحد أبرز فناني القرن العشرين.
