إعادة تعريف النجاح في الرياضة الأولمبية: ما وراء الميداليات الذهبية
غالبًا ما يُنظر إلى الرياضيين الأولمبيين من خلال عدسة ضيقة تركز على الميداليات الذهبية. لكن ما الذي يحدث عندما لا يتحقق هذا الهدف؟ وكيف يمكن للرياضيين التعامل مع الضغوط الهائلة، والفشل المحتمل، والحفاظ على صحتهم العقلية في رحلتهم؟ هذا ما تحاول الدكتورة إميلي كلارك، أخصائية علم النفس الإكلينيكي في اللجنة الأولمبية والبارالمبية الأمريكية، أن تساعد الرياضيين على فهمه، خاصة مع اقتراب افتتاح الألعاب الشتوية في إيطاليا في 6 فبراير. سؤالها الأساسي الذي تطرحه على الرياضيين: هل يجب أن تكون الميداليات الذهبية هي المقياس الوحيد للنجاح؟
الصحة العقلية والأداء الرياضي: شراكة ضرورية
مع اقتراب الألعاب الأولمبية والبارالمبية، يركز اهتمام العالم على الإنجازات الرياضية. لكن خلف الكواليس، يعمل فريق مكون من 15 أخصائيًا نفسيًا تابعًا للجنة الأولمبية الأمريكية على رعاية الجانب الأقل وضوحًا ولكن الأكثر أهمية: الصحة العقلية للرياضيين. تتعامل الدكتورة كلارك وفريقها مع مجموعة واسعة من القضايا، بدءًا من التحفيز وإدارة الغضب والقلق، إلى اضطرابات الأكل، ومشاكل الأسرة، والصدمات النفسية، والاكتئاب، واضطرابات النوم، والتعامل مع ضغوط السفر والمنافسة. وتركز الدكتورة كلارك تحديدًا على إدارة الإجهاد وأهمية النوم، بهدف مساعدة الرياضيين على تحقيق أقصى أداء لديهم وتجنب التركيز المفرط على النتائج النهائية.
“أدرك الكثير من الرياضيين هذه الأيام أهمية الصحة العقلية، ليس فقط في الرياضة، بل في الحياة بشكل عام”، تقول كلارك في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس. وتضيف أن هذا المجال هو المكان الذي يمكن للرياضيين فيه تطوير مهارات حياتية قيمة، سواء لتوسيع مسيرتهم المهنية أو لجعلها أكثر متعة. هذا التحول في التفكير يمثل جوهر علم النفس الرياضي.
حقيقة رياضية: أغلب الرياضيين لن يفوزوا بالميدالية الذهبية
مع توقع مشاركة حوالي 235 رياضيًا أمريكيًا في الألعاب الأولمبية الشتوية، وحوالي 70 في الألعاب البارالمبية، تؤكد الدكتورة كلارك على حقيقة قد تكون قاسية: “معظم الرياضيين الذين يمثلون فريق الولايات المتحدة الأمريكية لن يفوزوا بميدالية ذهبية.” هذه هي طبيعة الرياضة الاحترافية، حيث المنافسة شرسة والإعدادات مكثفة، والوصول إلى القمة يتطلب أكثر من مجرد الموهبة. وفقًا للدكتور بيل مالون، المؤرخ الأولمبي، فإن 70.8% من الرياضيين الأولمبيين الشتوي والصيفي يشاركون في دورة أولمبية واحدة فقط.
هذا الواقع يجعل إعادة تعريف مفهوم النجاح أمرًا بالغ الأهمية. بدلًا من التركيز على الميدالية الذهبية كهدف وحيد، تحاول كلارك توجيه الرياضيين للنظر إلى التجربة كفرصة فريدة من نوعها. وتشجعهم على التركيز على العملية، والاستمتاع باللحظة، وتقدير الجهد الذي بذلوه.
التركيز على العملية: الرحلة أهم من الوجهة
تركز رسالة كلارك الأساسية على أن مهمة الرياضي لا تقتصر على الفوز بميدالية ذهبية، بل أداء أفضل ما لديه. وتصف ذلك قائلة: “مهمتك هي أن تفعلي الشيء الصحيح، والميدالية الذهبية هي ما يحدث عندما تقومين بعملك على أكمل وجه.” وهذا يتطلب تحولًا في العقلية، وتقبلًا للفشل كجزء من عملية التعلم والنمو، وبناء القدرة على الصمود في مواجهة النكسات.
الدكتورة كلارك تدعو إلى البقاء ملتزمين بالمهمة تحت الضغط ، والتحسن من خلال الهزيمة. “نحن نصبح أقوى من خلال دفع أنفسنا إلى أقصى حدودنا – ثم التعافي.” وتشرح كيف يؤثر التوتر على الانتباه، وكيف أن التركيز على المهمة المباشرة هو مفتاح الأداء الجيد.
شهادات تدعم أهمية الدعم النفسي
العديد من الرياضيين يقرون بقيمة الدعم النفسي الذي تقدمه USOPC. كيندال جريتش، الفائزة بأربع ميداليات ذهبية في الألعاب البارالمبية، تعزو جزءًا من نجاحها إلى هذا الدعم، قائلة: “مجرد القدرة على التواصل مع الأخصائيين النفسيين… والحصول على هذا التذكير بسبب وجودك هنا. ما هي تلك التجربة التي تبحث عنها؟”.
أليسا ليو، المتزلجة الأمريكية الحائزة على لقب بطلة العالم لعام 2025 والتي حلّت في المركز السادس في أولمبياد 2022، تؤمن إيمانًا راسخًا بعلم النفس الرياضي وتصنف أخصائيتها النفسية على أنها “الأكثر قيمة” (MVP) في فريقها.
النوم: حجر الزاوية في الأداء الرياضي
تؤكد الدكتورة كلارك على أهمية النوم، غالبًا ما يكون جانبًا مهملاً في حياة الرياضيين. وتشير إلى التحديات التي يواجهها الرياضيون، مثل جداول السفر الصعبة، والتدريبات المتأخرة، والإصابات، والضغوط المتزايدة. بالإضافة إلى ذلك، العديد من الرياضيين هم أيضًا آباء، مما يزيد من صعوبة الحصول على قسط كافٍ من الراحة.
وتقدم كلارك بعض النصائح القيمة لتحسين جودة النوم، بما في ذلك تجنب الكافيين بعد الساعة 3 مساءً، وتقليل التوتر قبل النوم، والالتزام بجدول نوم منتظم، والنوم في غرفة مظلمة وهادئة، والحصول على 7-9 ساعات من النوم كل ليلة. وتشدد على أن النوم هو جزء أساسي من الأداء، وأنه يجب أن يكون أولوية قصوى للرياضيين. فالرياضية البارالمبية داني أرافيتش، تؤكد على أن تتبع نومها، بمساعدة الدكتورة كلارك، كان له فائدة كبيرة في وضوحها الذهني.
الخلاصة: تغيير المنظور لتحقيق الرفاهية الرياضية
إن إعادة تعريف النجاح في الرياضة الأولمبية لا يتعلق بتقليل أهمية الميداليات الذهبية، بل بتوسيع مفهوم الإنجاز ليشمل جوانب أخرى مثل الجهد المبذول، والنمو الشخصي، والمرونة في مواجهة التحديات، والأداء الأمثل بغض النظر عن النتيجة النهائية، والصحة النفسية. من خلال التركيز على هذه القيم، يمكن للرياضيين أن يجدوا الرضا والمتعة في رحلتهم الرياضية، وأن يتعاملوا مع الضغوط والفشل بطرق صحية وبناءة. إن الدعم النفسي الذي تقدمه USOPC وغيرها من المنظمات يلعب دورًا حاسمًا في تحقيق هذه الغاية، ويساعد الرياضيين على إطلاق العنان لإمكاناتهم الكاملة، ليس فقط كرياضيين، ولكن كأفراد. شاركنا أفكارك حول هذا الموضوع! هل تعتقد أن المجتمع يضع ضغوطًا غير ضرورية على الرياضيين؟ وما هي الطرق الأخرى التي يمكن من خلالها دعم الأداء الرياضي؟
