في خضمّ استعداداتنا للاحتفال بالأعياد، غالبًا ما نغرق في التعبير عن امتناننا للآخرين: للعائلة، للأصدقاء، للزملاء. نركز على الهدايا التي نتلقاها، واللحظات الجميلة التي نشاركها، والدفء الذي يجلبه لنا وجود من نحب. ولكن، كم مرة نخصّص لحظة لتقدير الذات، والاعتراف بجميل ما فعلناه لأنفسنا؟ هذا السؤال يطرحه خبراء النفس، مؤكدين أهمية الامتنان للذات كعادة صحية تعزز الرفاهية النفسية. قد يبدو الأمر غريبًا أو حتى أنانيًا للبعض، لكن تخصيص وقت لشكر أنفسنا على صفاتنا وقدراتنا وإنجازاتنا، هو استثمار حقيقي في صحتنا العقلية والعاطفية.
أهمية ممارسة الامتنان للذات
يشير علماء النفس إلى أن الدماغ البشري مبرمج بطبيعته للبحث عن المشاكل والتركيز على الجوانب السلبية. هذا الميل يعود إلى جذورنا التطورية، حيث كان البقاء على قيد الحياة يعتمد على القدرة على توقع الخطر وتجنبه. يقول الدكتور كريستين نيف، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة تكساس في أوستن: “أسلافنا الذين كانوا حذرين وانتبهوا للمخاطر كانوا أكثر عرضة للبقاء على قيد الحياة. لذا، فإن التركيز على السلبية ليس مجرد صعوبة، بل هو ميل طبيعي للدماغ علينا التغلب عليه.”
ولكن، هذا الميل لا يخدمنا بالضرورة في العصر الحديث. بدلاً من أن يدفعنا إلى الأمام، قد يعيق تقدمنا ويقلل من شعورنا بالسعادة والرضا. هنا يكمن دور الامتنان للذات. إن تخصيص بضع دقائق يوميًا للتفكير في الأشياء التي نقدرها في أنفسنا، يمكن أن يغيّر مسار تفكيرنا ويحسن مزاجنا بشكل ملحوظ. فالاعتراف بنقاط قوتنا وتحدياتنا، والتعامل معها برحمة وتقبل، يعزز الثقة بالنفس والمرونة النفسية.
كيف نمارس الامتنان للذات؟
لا توجد طريقة واحدة صحيحة لممارسة الامتنان للذات. الأمر يتعلق بإيجاد الطريقة التي تناسبك وتشعرك بالراحة. إليك بعض الأفكار لاقتباسها:
كتابة اليوميات
خصص بضع دقائق كل يوم لكتابة ثلاثة إلى خمسة أشياء أنت ممتن لها في نفسك. قد تكون هذه الأشياء بسيطة مثل القدرة على الاستيقاظ في الصباح، أو إكمال مهمة صعبة، أو مجرد كونك شخصًا لطيفًا ومتعاطفًا.
التأمل
مارس التأمل الموجه الذي يركز على تعزيز الحب الذاتي والتقدير. هناك العديد من التطبيقات ومقاطع الفيديو المتاحة التي يمكن أن تساعدك في ذلك.
التحدث مع النفس بلطف
انتبه إلى الطريقة التي تتحدث بها مع نفسك. هل أنت قاسي وانتقادي؟ حاول استبدال الأفكار السلبية بأفكار إيجابية ومشجعة. عامل نفسك كما تعامل صديقًا عزيزًا.
مكافأة الذات
كافئ نفسك على إنجازاتك، حتى الصغيرة منها. امنح نفسك الإذن بالاستمتاع بالأشياء التي تحبها، سواء كانت قراءة كتاب، أو مشاهدة فيلم، أو تناول وجبة لذيذة.
قصص ملهمة عن الامتنان للذات
شارك العديد من الأشخاص قصصهم حول كيف ساعدهم الامتنان للذات في التغلب على الصعوبات وتحقيق السعادة. لورينزو كروز، شاب في السادس والعشرين من عمره، يقول إنه ممتن للطفولة الصعبة التي مر بها، لأنها جعلته يقدر الأشياء البسيطة في الحياة. أما آنا أنيتواي، أم عازبة ومُدرسة، فتقدر قدرتها على إدارة حياتها العائلية والمهنية بنجاح وخدمة مجتمعها. ولارا فوراك، المعلمة السويسرية، تشعر بالامتنان لشجاعتها وقدرتها على اغتنام الفرص الجديدة، حتى لو كانت تتطلب الخروج من منطقة الراحة. بالنسبة لخوسيه سانتياجو، الطالب الجامعي، فإن تفاؤله هو أعظم أصوله، ويحرص على الاعتناء بنفسه من خلال روتين مريح ومهدئ.
تقدير القدرات والصفات الشخصية
جو أوشيروف، الممثل، يعرب عن امتنانه لإصراره والتزامه، بينما سوزان إنج، سيدة الأعمال المتقاعدة، تقدر طيبتها وصبرها وقدرتها على التنفيذ. ديا شباتي، المحاسبة، تشعر بالامتنان لجهودها في الاعتناء بصحتها من خلال التغذية السليمة والنشاط البدني.
هذه القصص تؤكد أن الامتنان للذات ليس مجرد شعور عابر، بل هو ممارسة واعية يمكن أن تغير حياتنا نحو الأفضل. إنها دعوة للاحتفاء بأنفسنا، وتقدير قيمتنا، والاعتراف بجميل ما نفعله لأنفسنا وللآخرين.
الخلاصة: استثمر في نفسك
في نهاية المطاف، الامتنان للذات هو شكل من أشكال حب الذات. إنه الاعتراف بأننا نستحق السعادة والرضا، وأننا قادرون على تحقيق أهدافنا وأحلامنا. لذا، في هذا الموسم من العطلات، لا تنسَ أن تخصص لحظة لتقدير نفسك، وشكرها على كل ما قدمته لك. تذكر أنك تستحق كل الحب والاحترام والتقدير، وأن الاستثمار في نفسك هو أفضل استثمار يمكنك القيام به. ابدأ اليوم، وستلاحظ الفرق في شعورك وحياتك.
